(كَانَ عَلَى رَبِّكَ) : الضَّمِيرُ فِي «كَانَ» يَعُودُ عَلَى «مَا» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: كَانَ الْوَعْدُ وَعْدًا، وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمَصْدَرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَعْدًا» وَقَوْلُهُ: «لَهُمْ فِيهَا» وَخَبَرُ كَانَ: «وَعْدًا» أَوْ «عَلَى رَبِّكَ».
قَالَ تَعَالَى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ) : أَيْ وَاذْكُرْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا أَرْسَلْنَا) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ عَاطِفَةً، وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى مَعَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَؤُلَاءِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ عِبَادِي، وَأَنْ يَكُونَ نَعْتًا.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ نَتَّخِذَ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ؛ وَ «مِنْ أَوْلِيَاءَ» هُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وَ «مِنْ دُونِكَ» الثَّانِي؛ وَجَازَ دُخُولُ «مِنْ» لِأَنَّهُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ) [الْمُؤْمِنُونَ: ٩١].
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ مُضْمَرٌ، وَ «مِنْ أَوْلِيَاءَ» الثَّانِي.
وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ؛ لِأَنَّ «مِنْ» لَا تُزَادُ فِي الْمَفْعُولِ الثَّانِي؛ بَلْ فِي الْأَوَّلِ؛ كَقَوْلِكَ: مَا اتَّخَذْتُ مِنْ أَحَدٍ وَلِيًّا؛ وَلَا يَجُوزُ: مَا اتَّخَذْتُ أَحَدًا مِنْ وَلِيٍّ؛ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ: فَمَا مِنْكُمْ أَحَدٌ عَنْهُ مِنْ حَاجِزِينَ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مِنْ دُونِكَ» حَالًا مِنْ أَوْلِيَاءَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا أَنَّهُمْ) : كُسِرَتْ «إِنَّ» لِأَجْلِ اللَّامِ فِي الْخَبَرِ.
وَقِيلَ: لَوْ لَمْ تَكُنِ اللَّامُ لَكُسِرَتْ أَيْضًا؛ لَأَنَّ الْجُمْلَةَ حَالِيَّةٌ؛ إِذِ الْمَعْنَى: إِلَّا وَهُمْ يَأْكُلُونَ.
وَقُرِئَ بِالْفَتْحِ عَلَى أَنَّ اللَّامَ زَائِدَةٌ، وَتَكُونُ أَنْ مَصْدَرِيَّةً، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إِلَّا أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ؛ أَيْ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ رُسُلًا إِلَى النَّاسِ إِلَّا لِكَوْنِهِمْ مِثْلَهُمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَيَكُونَ التَّقْدِيرُ: إِنَّهُمْ ذَوُو أَكْلٍ.
قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ يَرَوْنَ) : فِي الْعَامِلِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: اذْكُرْ يَوْمَ.
وَالثَّانِي: يُعَذَّبُونَ يَوْمَ، وَالْكَلَامُ الَّذِي بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: لَا يُبَشَّرُونَ يَوْمَ يَرَوْنَ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَعْمَلَ فِيهِ الْبُشْرَى لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَنْفِيَّ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَ لَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَئِذٍ) : فِيهِ أَوْجُهٌ:
أَحَدُهَا: هُوَ تَكْرِيرٌ لِيَوْمٍ الْأَوَّلِ.
وَالثَّانِي: هُوَ خَبَرُ بُشْرَى، فَيَعْمَلُ فِيهِ الْمَحْذُوفُ؛ وَ «لِلْمُجْرِمِينَ» : تَبْيِينٌ، أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ «لِلْمُجْرِمِينَ» وَالْعَامِلُ فِي يَوْمَئِذٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللَّامُ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ «بُشْرَى» إِذَا قَدَّرْتَ أَنَّهَا مُنَوَّنَةٌ غَيْرُ مَبْنِيَّةٍ مَعَ لَا، وَيَكُونُ الْخَبَرُ «
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي