السابعة إلى حكاية تساؤلهم عن موعد تحقيق ما يوعدون بأسلوب الإنكار والتحدي، فردت عليهم الآية الثامنة آمرة النبي ﷺ بإنذارهم باحتمال قرب ما يستعجلون من عذاب الله، ثم استطردت الآيات التي جاءت بعدها إلى تقريرات مباشرة: فالله سبحانه ذو فضل على خلقه ولكن أكثرهم لا يشكرونه على ذلك به، والله سبحانه عليم بما يسّره الناس ويعلنونه من أفكار وأعمال وليس من شيء مهما دقّ وخفي في السموات والأرض إلّا قد أحاط علم الله به إحاطة تامة. والمتبادر أن في الآيات الثلاث التقريرية الأخيرة إنذارا وتبكيتا، والآية الأولى منها بخاصة تتضمن تقرير كون الله تعالى إذا لم يعجل للكفار بالعذاب الذي يستعجلونه فإنما ذلك فضل منه يستحق الشكر لأن فيه فرصة لهم.
والآيات كما هو واضح تحتوي صورة من صور الجدل والحجاج والعناد والاستهتار التي كانت تبدو من الكفار، وبخاصة في صدد البعث الذي كان كما قلنا من أهم مواضع الجدل وأشد عقبات الدعوة، والراجح أنه كان يحدث بين النبي ﷺ وبعض الكفار مجادلات وجاهية في هذا الصدد، فتنزل الآيات للتدعيم والتثبيت والردّ والتسفيه والتطمين حسب مقتضيات الموقف.
والأسئلة المحكية عن الكفار قد تكررت حكايتها كثيرا مما مرّت أمثلة عديدة منها، وهذا يدل على تكرر مواقف الجدل والحجاج بين النبي ﷺ والكفار في نفس الصدد في المناسبات التي كانت تتكرر أو تتجدد مما هو متصل بطبيعة مهمة النبي ﷺ واتصالاته المتوالية بمختلف الفئات.
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٧٦ الى ٧٨]
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨)
تقرر الآيات أن القرآن يحتوي أكثر الحقائق التي يختلف بنو إسرائيل فيها ويحارون في أمرها، وأن القرآن هو هدى ورحمة للمؤمنين، وأن الله تعالى سوف
يقضي بينهم بحكمه الذي سوف يكون فصلا حاسما، لأنه هو العليم بحقائق الأمور، ذو العزة الذي لا يعجزه شيء.
تعليق على آية إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)
وتبدو الآيات كأنها منفصلة عن السياق، ولم نر المفسرين يذكرون شيئا في صدد ذلك، وكل ما قالوه أن الآيات تشير إلى ما كان من خلاف حول عيسى عليه السلام وغيره من الشؤون الدينية، والذي تبادر لنا أن يكون بعض كفار العرب سألوا أحد اليهود في مكة عن أمر الآخرة فأجاب جوابا مبهما أو باعثا على الشك، لأنه لا يوجد في الأسفار نصوص صريحة عن الآخرة وحسابها وعقابها وثوابها كما جاء في القرآن، فأخذ الكفار يعلنون ذلك ويستندون إليه في مواقف الجدل والحجاج والإنكار في صدد الآخرة، وظنوا أنهم استحكموا النبي ﷺ بالحجة، لأنه يقول لهم بلسان القرآن إنه مصدق لما قبله من الكتب فاقتضت حكمة التنزيل بوحي هذه الآيات بالرد عليهم، والإشارة إلى أن بني إسرائيل قد حاروا في فهم كثير من الحقائق والإشارات واختلفوا، وأن أمر الآخرة في جملة ذلك، وأن القرآن يحتوي الحقائق الصحيحة في كل أمر وفي المسائل التي حاروا فيها واختلفوا. وإذا صحّ هذا بدت الصلة والمناسبة قائمتين بين هذه الآيات والآيات السابقة. ونرجو أن يكون ذلك هو الصحيح لأن ورود الآيات هنا بدون هذا التعليل يبدو مشكلا من وجهة النظم القرآني واتساق السياق.
وعلى كل حال فالآية خطيرة المغزى في حدّ ذاتها بتقريرها أن القرآن يحتوي الحقائق والحلول الصحيحة لمختلف الشؤون التي كان يختلف عليها بنو إسرائيل.
وهناك آيات عديدة أخرى مكية ومدنية فيها إشارة إلى اختلافات النصارى أيضا بالإضافة إلى بني إسرائيل مثل آيات سورة السجدة [٢٣- ٢٥] وفصلت [٤٥] والجاثية [١٦- ١٧] المكية وآيات المائدة [١٣- ١٩- ٤٨] المدنية.
ولقد كتبنا في سياق تفسير آيات [٣٤- ٣٧] من سورة مريم تعليقا على ما
التفسير الحديث
محمد عزة بن عبد الهادي دروزة