قلت: ما كانت تأخذه على أنه أجر على الرضاع، ولكنه مال حربىّ كانت تأخذه على وجه الاستباحة. وقوله وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ داخل تحت علمها. المعنى: لتعلم أن وعد الله حق، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنه حق فيرتابون. ويشبه التعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى، فجزعت وأصبح فؤادها فارغا يروى أنها حين ألقت التابوت في اليم جاءها الشيطان فقال لها: يا أم موسى، كرهت أن يقتل فرعون موسى فتؤجرى، ثم ذهبت فتوليت قتله، فلما أتاها الخبر بأن فرعون أصابه قالت: وقع في يد العدوّ، فنسيت وعد الله. ويجوز أن يتعلق وَلكِنَّ بقوله وَلِتَعْلَمَ ومعناه: أن الرّد إنما كان لهذا الغرض الديني، وهو علمها بصدق وعد الله. ولكنّ الأكثر لا يعلمون بأن هذا هو الغرض الأصلى الذي ما سواه تبع له:
من قرّة العين وذهاب الحزن.
[سورة القصص (٢٨) : آية ١٤]
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)
وَاسْتَوى واعتدل وتمّ استحكامه، وبلغ المبلغ الذي لا يزاد عليه، كما قال لقيط:
| واستحملوا أمركم لله درّكمو | شزر المريرة لا قحما ولا ضرعا «١» |
والحكم: السنة. وحكمة الأنبياء: سنتهم. قال الله تعالى وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ
| فقلدوا أمركم لله دركم | رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا |
| ما زال يحلب هذا الدهر أشطره | يكون متبعا طورا ومتبعا |
| حتى استمرت على شزر مريرته | مستحكم الرأى لا قحما ولا ضرعا |
(٢). لم أجده. [.....]
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم