٢٣ - وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ بالقرآن والبعث بعد الموت أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي يعني من جنتي. قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل (١). وهذه الآيات معترضة في قصة إبراهيم؛ تذكيرًا لأهل مكة وتحذيرًا، ثم عاد الكلام إلى قصة إبراهيم (٢)، وهو قوله:
٢٤ - فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ يعني حين دعاهم إلى الله، ونهاهم عن عبادة الأصنام (٣) إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ وهذا تسفيه لرأيهم، وتجهيل لأحلامهم حين أجابوا مَنْ احتج عليهم بأن يُقتل أو يُحرق (٤).
قوله تعالى: فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ قال ابن عباس: يريد: ففعلوا فأنجاه الله (٥). إِنَّ فِي ذَلِكَ أي: في إنجاء الله إبراهيم من النار حتى لا تحرقه بعد ما ألقي فيها لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بتوحيد الله وقدرته (٦).
٢٥ - وَقَالَ إبراهيم لقومه: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ اختلف القراء في هذه الآية؛ فقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: (مَّوَدَّةُ) بالرفع بَيْنِكُمْ (٧) ولهذه القراءة ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يجعل: ما اسم: إن، ويضمر ذكرٌ مَّا يعود إلى: ما، فيكون التقدير: إن الذين اتخذتموهم من دون الله أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ
(٢) تفسير ابن جرير ٢٠/ ١٤٠، بمعناه.
(٣) "تفسير مقاتل" ٧٢ أ.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٦٦، بمعناه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٤٨، بمعناه.
(٦) "تفسير مقاتل" ٧٢ أ.
(٧) "السبعة في القراءات" (٤٩٨)، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤٢٨، و"النشر في القراءات العشر" ٢/ ٣٤٣.
فتصير (مَّوَدَّةُ): خبر إن، وتجعل المودة: ما اتخذوا على الاتساع؛ لأنها كانت سبب مودتهم، أو يقدر المضاف على تقدير: إن الذين اتخذتموهم أوثانًا ذوو مودةِ بينكم.
الوجه الثاني: أن يضمر: هو، ويجعل: مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ خبرًا عنه، والجملة في خبر إن. هذا قول أبي علي (١)، وذكر الزجاج هذين الوجهين؛ فقال: من رفع (مَّوَدَّةُ) فمن وجهين؛ أحدهما: أن تكون: (مَا) في معنى: الذي، ويكون المعنى: إن ما اتخذتموه من دون الله أوثانًا مودةُ بينكم، فتكون (مَّوَدَّةُ): خبر إن، قال: ويجوز أن ترفع (مَّوَدَّةُ) على إضمار: هي، كأنه قال: تلك مودةُ بينكم في الحياة الدنيا، أي: أُلْفَتُكم واجتماعكم على الأصنام مودةُ بينكم في الحياة الدنيا (٢).
الوجه الثالث: ذكره الفراء؛ فقال: من رفع فإنما يرفع بالصفة بقوله: فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وينقطع الكلام عند قوله: (أَوْثَانًا) (٣). وعلى هذا: (مَّوَدَّةُ) رُفع بالابتداء، وخبره: (في) الظرف، والمعنى: إنما مودةُ ما بينكم في الحياة الدنيا ثم تنقطع (٤).
قال أبو علي: وإضافة المودة إلى بينكم اتساع في الظرف؛ لأنه جعل اسمًا بالإضافة إليه، ومثل ذلك: قراءة من قرأ: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [الأنعام: ٩٤] (٥) قال الشاعر:
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٦٧.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣١٦.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣١٦، من قوله: إنما مودة بينكم.
(٥) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤٢٩. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر =
صلاءة وَرْسٍ وسطُها قد تفلَّقا (١)
وقرأ عاصم في بعض الروايات: (مَّوَدَّةٌ) بالرفع والتنوين (بَيْنَكُمْ) نصبًا (٢). ووجه هذه القراءة: الوجهان (٣) ذكرهما الزجاج وأبو علي في القراءة الأولى، و (بَيْنَكُمْ) منصوب على الظرف، والعامل فيه المودة (٤).
وقرأ حمزة (مَّوَدَّةَ) نصبًا من غير تنوين (بَيْنِكُمْ) خفضًا (٥)، جعل (مَا) مع (إِن) كافة، ولم يجعلها بمعنى: الذي، ونصب (مَّوَدَّةَ) على أنه مفعول له، أي: اتخذتم الأوثان للمودة، ثم أضافها إلى (بَيْنِكُمْ) كما أضاف مَنْ
(١) أنشده أبو علي، ولم ينسبه، "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤٢٩. وأنشده كاملاً، ونسبه للفرزدق أبو زيد، في النوادر ١٦٣، وابن جني، "الخصائص" ٢/ ٣٦٩، وصدره:
أتته بمجلوم كأن جبينه
وفي حاشية "الخصائص": المجلوم: المحلوق، أراد به من المرأة، والصلاءة: مدق الطبيب، والورس: نبت أصفر. وعند أبي زيد: بمحلوم، وصلاية. والشاهد فيه: إخراج: وسط، عن الظرفية. قال البغدادي، الخزانة ٣/ ٩٢: فوسطها مرفوع على أنه مبتدأ، وجملة: قد تفلق خبره. لم أجده في ديوان الفرزدق.
(٢) قرأ عاصم في رواية أبي بكر: مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ، ورواية الأعشى عن أبي بكر: مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ. "السبعة في القراءات" ٤٩٩، و"الحجة للمَراء السبعة" ٥/ ٤٢٨، و"إعراب القراءات السبع وعللها" ٢/ ١٨٤.
(٣) لعل بعد هذه الكلمة سقطت كلمة: اللذان؛ ليستقيم الكلام بها.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٦٧، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤٢٨.
(٥) قرأ بها حمزة وعاصم في رواية حفص. "السبعة في القراءات" ٤٩٩، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤٢٩، و"إعراب القراءات السبع وعللها" ٢/ ١٨٤.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي