ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

ثم يقول الحق سبحانه :
{ خلق الله السماوات والأرض بالحق
إن في ذلك لآية للمؤمنين٤٤ }
أراد الحق سبحانه ان يبرهن لنا على طلاقة قدرته تعالى، فقال : خلق الله السماوات والأرض بالحق.. ٤٤ [ العنكبوت ] والخلق : إيجاد المعدوم، لكن لغرض مخصوص، ولمهمة يؤديها، فإن خلقت شيئا هكذا كما اتفق دون هدف منه فلا يعد خلقا.
ومسألة الخلق هذه هي الوحيدة التي أقر الكفار بها لله تعالى، فلما سألهم : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله.. ٢٥ [ لقمان ] فلماذا أقروا بهذه بالذات ؟ ولماذا ألجمتهم ؟
هذا ليس عجيبا منهم ؛ لأننا نشاهد كل من يأتي بجديد في الكون حريصا على على أن ينسبه لنفسه، وعلى أن يبين للناس مجهوداته وخبراته، وأنه اخترع كذا أو اكتشف كذا، كالذي اكتشف الكهرباء أو اخترع ( التليفون أو التلفزيون ).
ما زلنا حتى الآن نذكر أن قانون الطفو لأرشميدس، وقانون الجاذبية لنيوتن، والناس تسجل الآن براءات الاختراع حتى لا يسرق أحد مجهودات أحد، ولتحفظ لأصحاب التفوق العقلي والعبقري ثمرة عبقريتهم.
وكذلك كان العرب قديما يذكرون لصاحب الفضل فضله، حتى إنهم يقولون : فلان أول من قال مثلا : أما بعد١. وفلان أول من فعل كذا.
إذن : فنحن نعرف الأوائل في كل المجالات، وننسب كل صنعة وكل اختراع واكتشاف إلى صاحبه، بل ونخلد ذاكره، ونقيم له تمثالا.. إلخ.
إذن : فما بالك بالخالق الأعظم سبحانه الذي خلق السموات والأرض وما فيهما ومن فيهما، أليس من حقه أن يعلن عن نفسه ؟ أليس من حقه على عباده أن يعترفوا له بالخلق ؟ خاصة وأن خلق السموات والأرض لم يدعه أحد لنفسه، ولم ينازع الحق فيه منازع، ثم جاءنا رسول من عند الله تعالى يخبرنا بهذه الحقيقة، قلم يوجد معارض لها، والقضية تثبت لصاحبها إلى أن يوجد معارض.
وقد مثلنا لهذه المسألة – ولله المثل الأعلى – بجماعة جلسوا في مجلس، فلما انفض جمعهم وجد صاحب البيت محفظة نقود لواحد منهم، فسألهم : لمن هذه المحفظة ؟ فقالوا جميعا : ليست لي إلا واحد منهم قال : هي محفظتي، فهل يشك صاحب البيت أنها لمن ادعاها ؟
ولك أن تسأل : ما دام الحق سألهم من خلق السماوات والأرض.. ٢٥ [ لقمان ] فقالوا ( الله ) فلماذا يذكر الله هذه القضية ؟ قالوا : الحق – تبارك وتعالى – لا يريد بهذه
الآية أن يخبرنا أنه خالق السماوات والأرض، إنما يريد أن يخبرنا أن خلق السموات والأرض بالحق، والحق : الشيء الثابت الذي لا يتغير مع الحكمة المترتبة على كل شيء في الوجود، فإذا نظرنا إلى خلق السموات والأرض لوجدناه ثابتا لم يتغير شيء فيه.
لذلك يقول سبحانه : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. ٥٧ [ غافر ]
فالسموات والأرض خلق هائل عظيم، بحيث لو قارنته بخلق الإنسان لكان خلق الإنسان أهون. وانظر مثلا في عمر السموات والأرض وفي عمر الإنسان : أطول أعمار البشر التي نعلمها حتى الآن عمر نوح عليه السلام، وبعد هذا العمر الذي نراه طويلا انتهى إلى الموت، فعمر الإنسان معلوم يكون سنة واحدة، أو ألف سنة لكن لابد أن يموت.
أما السموات والأرض وما فيها من مخلوقات إنما خلقت لخدمة الإنسان، فالخادم عمره أطول من المخدوم، فالشمس مثلا خلقها الله تعالى من ملايين السنين، وما زالت كما هي لم تتغير، ولم تتخلف عن مهمتها، وكذلك القمر : الشمس والقمر بحسبان٥ [ الرحمن ]
أي : بحساب دقيق ؛ لذلك يقولون : سيحدث كسوف مثلا أو خسوف يوم كذا الساعة كذا، وفي نفس الوقت يحدث فعلا كسوف للشمس أو خسوف للقمر مما يدل على أنهما خلقا بحساب بديع دقيق، ويكفي أننا نضبط على الشمس مثلا ساعاتنا، ومع ما عرف عن الشمس والقمر من كبر حجمهما، فإنهما يسيران في مسارات وأفلاك دون صدام، كما قال تعالى : كل في فلك يسبحون٣٣ [ الأنبياء ]*
هذا كله من معنى خلق السموات والأرض بالحق. أي : بنظام ثابت دقيق منضبط لا يتغير ولا يختلف في كل مظاهره، فأنت أيها الإنسان يمكن أن تتغير ؛ لأن الله جعل لك اختيارا فتستطيع أن تطيع أو أن تعصى، تؤمن أو العياذ بالله تكفر، لكن خلق السموات والأرض جاء على هيئة القهر والتسخير، وإن كانت مختارة بالقانون العام والاختيار الأول، حيث قال تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا٧٢ [ الأحزاب ]
إذن : خيرت فاختارت ألا تختار، وخرجت عن مرادها لمراد ربها.
ثم يقول سبحانه : إن في ذلك لآية للمؤمنين٤٤ [ العنكبوت ] لماذا قال ( للمؤمنين ) مع أنها آية للناس جميعا ؟ وسبق أن خاطب الله الكافرون من خلق السماوات والأرض.. ٢٥ ( لقمان ) فلماذا خص هنا المؤمنين هنا دون الكافرون ؟
قالوا : فرق بين خلق السموات والأرض، وبين كونها مخلوق بالحق، فالجميع يؤمن بأنها مخلوقة، لكن المؤمنين فقط هم الذين يعرفون أنها مخلوقة بالحق.

١ عن أبي موسى الأشعري قال: ((أول من قال أما بعد داود النبي عليه السلام. قال: وهو ((فصل الخطاب)) أخرجه ابن أبي عاصم في الأوائل (حديث١٩١) والطبراني في الأوائل (٤٠). وعزاه السيوطي في الوسائل (١١٧) لابن أبي حاتم والديلمي عن أبي موسى..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير