قوله : تتلوا.. ٤٨ [ العنكبوت ] أي : تقرأ، واختار تتلو لأنك لا تقرأ إلا ما سمعت، فكأن قراءتك لما سمعت تجعل قولك تاليا لما سمعت، نقول : يتلوه يعني : يأتي بعده ولا تخطه بيمينك.. ٤٨ [ العنكبوت ] يعني : الكتابة.
وفرق بين أن تقرأ، وبين أن تكتب، فقد تقرأ لأنك تحفظ، وتحفظ نتيجة السماع، كإخواننا الذين ابتلاهم الله بكف نظرهم ويقرأون، إنما يقرأون ما سمعوه ؛ لأن السمع كما قلنا أول حاسة تؤدي مهمتها في الإنسان، فمن الممكن أن تحفظ ما سمعت، أما أن تكتبه فهذا شيء آخر.
والكلام هنا لون من ألوان الجدل والإقناع لكفار قريش الذين يكذبون رسول الله، ولون من ألوان التسلية لرسول الله، كأنه يقول سبحانه لرسوله : اطمئن. فتكذيب هؤلاء لك افتراء عليك ؛ لأنك ما تلوت قبله كتابا ولا كتبته بيمينك، وهم يعرفون سيرتك فيهم.
كما قال سبحانه في موضع آخر : فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون١٦ [ يونس ]
أربعون سنة قضاها رسول الله بين قومه قبل البعثة، ما جربوا عليه قراءة ولا كتابة ولا خطبة، ولا نمق قصيدة، فكيف تكذبونه الآن ؟
فإن قالوا : كانت عبقرية عند محمد أجلها حتى سن الأربعين. نقول : العبقرية عادة ما تأتي في أواخر العقد الثاني من العمر في السابعة عشرة، أو الثامنة عشرة، ومن ضمن لمحمد البقاء حتى سن الأربعين، وهو يرى مصارع أهله، جده وأبيه وأمه ؟
لو كان عندك شيء من القراءة أو الكتابة لكان لهم عذر، ولكان في الأمر شبهة تدعو إلى الارتياب في أمرك، كما قالوا : أساطير الأولين اكتتبها فهي تملي عليه بكرة وأصيلا٥ [ الفرقان ]
وقالوا : إنما يعلمه بشر.. ١٠٣ [ النحل ] فرد القرآن عليهم١ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين١٠٣ [ النحل ]
وقالوا : ساحر. وقالوا : شاعر. وقالوا : مجنون. وكلها افتراءات وأباطيل واهية يسهل الرد عليها، فإن كان ساحرا، فلماذا لم يسحركم أنتم أيضا وتنتهي المسألة ؟ وإن كان شاعرا فهل جربتم عليه أن قال شعرا قبل بعثته ؟
وإن قلتم مجنون، فالجنون فقد العقل، بحيث لا يستطيع الإنسان أن يختار بين البدائل، فهل جربتم على محمد شيئا من ذلك ؟ وكيف يكون المجنون على خلق عظيم بشهادتكم أنتم أنه الصادق الأمين، فعنده انضباط في الملكات وفي التصرفات، فكيف تتهمونه بالجنون ؟
وكلمة من قبله.. ٤٨ [ العنكبوت ] لها عجائب في كتاب الله منها هذه الآية : وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك.. ٤٨ [ العنكبوت ] فيقول بعض العارفين ( من قبله ) : أي من قبل نزول القرآن عليك، وهذا القول من قبله.. ٤٨ [ العنكبوت ] يدل على أنه من الجائز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم كيف يقرأ وكيف يكتب بعد نزول القرآن عليه، حتى لا يكون في أمته من هو أحسن حالا منه في أي شيء، أو في خصال الخير٢.
ثم تأمل قوله تعالى : فلم تقتلون أنبياء الله من قبل.. ٩١ [ البقرة ] بالله لو جاءت هذه الآية بدون كلمة ( من قبل ) ألا يدخل في روع رسول الله أنهم ربما يجترئون عليه فيقتلوه، فيتهيب منهم، أو يدخل في نفوسهم هم، فيتجرئون عليه كما قتلوا الأنبياء من قبل ؛ لذلك جاءت الآية لتقرر أن هذا كان في الماضي، أما الآن فلن يحدث شيء من هذا أبدا، ولن يمكنكم الله من نبيه.
وكلمة وما كنت.. ٤٨ [ العنكبوت ] تكررت كثيرا في كتاب الله، ويسمونها ( ماكنات القرآن ) وفيها دليل على أن القرآن خرق كل الحجب في الزمن الماضي، والحاضر، والمستقبل.
كما في قوله تعالى : وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر.. ٤٤
[ القصص ]
وقوله تعالى : وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا.. ٤٥ [ القصص ]
وقوله تعالى : وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم.. ٤٤ [ آل عمران ]
وهنا : وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك.. ٤٨ [ العنكبوت ]
لذلك وصفه ربه – عز وجل – بأنه الرسول النبي الأمي.. ١٥٧ [ الأعراف ] وإياك أن تظن أن الأمية عيب في رسول الله، فإن كانت عيبا في غيره، فهي فيه شرف ؛ لأن معنى أمي يعني على فطرته كما ولدته أمه، لم يتعلم شيئا من أحد، وكذلك رسول الله لم يتعلم من الخلق، إنما تعلم من الخالق فعلت مرتبة علمه عن الخلق.
ومن ذلك المكانة التي أخذها الإمام علي – رضي الله عنه – في العلم والإفتاء حتى قال عنه عمر رضي الله عنه – مع ما عرف عن عمر من سداد الرأي حتى إن القرآن لينزل موافقا لرأيه، ومؤيدا لقوله – يقول عمر : بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن٣. لماذا ؟
لأنه كان صاحب حجة ومنطق وصاحب بلاغة، ألم يراجع الفاروق في مسألة المرأة التي ولدت لستة أشهر من زوجها، وعمر٤ يريد أن يقيم عليها الحد ؛ لأن الشائع أن مدة الحمل تسعة أشهر فتسرع البعض وقالوا : إنها سبق إليها، لكن يكون للإمام على رأي آخر، فيقول لعمر : لكن الله يقول غير هذا، فيقول عمر : وما ذلك ؟ قال : ألم يقل الحق سبحانه وتعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين.. ٢٣٣ [ البقرة ] قال : بلى.
قال : ألم يقل : وحملته وفصاله ثلاثون شهرا.. ١٥ [ الأحقاف ] وبطرح العامين من ثلاثين شهرا يكون الباقي ستة أشهر، فإذا ولدت المرأة لستة أشهر، فهذا أمر طبيعي لا ارتياب فيه٥.
وفي يوم دخل حذيفة على عمر رضي الله عنهما – فسأله عمر : كيف أصبحت يا حذيفة ؟ فقال حذيفة : يا أمير المؤمنين، أصبحت أحب الفتنة، وأكره الحق، وأصلي بغير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء.
فغضب عمر، وهم أن يضربه بدرة في يده، وهندها دخل علي فوجد عمر مغضبا فقال : مالي أراك مغضبا يا أمير المؤمنين ؟ فقص عليه ما كان من أمر حذيفة، فقال علي :
نعم يا أمير المؤمنين يحب الفتنة ؛ لأن الله تعالى قال : إنما أموالكم وأولادكم فتنة.. ١٥ [ التغابن ]
ويكره الحق أي : الموت فهو حق لكنا نكرهه، ويصلي على النبي بغير وضوء، وله في الأرض ولد وزوجة، وليس ذلك لله في السماء. فقال عمر قولته المشهورة : بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن.
فلماذا تميز علي بهذه الميزة من العلم والفقه والحجة ؟ لأنه تربى في حجر النبوة فاستقى من تبعها، وترعرع في أحضان العلوم الإسلامية منذ نعومة أظافره، ولم يعرف شيئا من معلومات الجاهلية، فلما تتفاعل عنده العلوم الإسلامية لا تلد إلا حقا.
ثم يقول سبحانه إذا.. ٤٨ [ العنكبوت ] يعني : لو حصل منك قراءة أو كتابة لارتاب المبطلون٤٨ [ العنكوت ] أي : لكان لهم عذر ووجهة نظر في الارتياب، والارتياب لا يعني مجرد الشك، إنما شك باتهام أي : يتهمون رسول الله بأنه كان على علم بالقراءة والكتابة ؛ لذلك وصفعم بأنهم مبطلون في اتهامهم له صلى الله عليه وسلم.
٢ قال القرطبي في تفسيره (٧/٥٢٤١): ((ذكر النقاش في تفسير هذه الآية عن الشعبي أنه قال: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى كتب، وأسند أيضا حديث أبي كبشة السلولي، مضمنه: أنه صلى الله عليه وسلم قرأ صحيفة لعيينة بن حصن وأخبر بمعناها. قال ابن عطية: وهذا كله ضعيف)). ثم قال (٧/٥٢٤٣): ((الصحيح في الباب أنه ما كتب ولا حرفا واحدا، وإنما أمر من يكتب، وكذلك ما قرأ ولا تهجي))..
٣ أخرج الحاكم في مستدركه (١/٤٥٧)، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري قال: ((حججنا مع عمر رضي الله عنه، فلما دخل الطواف استقبل الحجر فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع)) وهو حديث طويل وفيه أن عمر رضي الله عنه قال: ((أعوذ بالله تعالى أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن))..
٤ ذكر الجصاص في أحكام القرآن (٣/٥١٧) أن هذا حدث في زمان عثمان بن عفان ولكن يبدو أنهما حادثتان وقعتا في عهد كل من عمر بن الخطاب وعثمان ابن عفان، فقد ذكر ابن قدامة المقدسي في كتابه ((المغنى)) (٩/١١٥) أنه كان في عهد عمر واستشهد بما رواه الأثرم بإسناده عن أبي الأسود وذكر القصة..
٥ عن معمر بن عبد الله الجهني قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت له لتمام ستة أشهر فانطلق زوجها إلى عثمان فذكر ذلك له فبعث إليها فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها فقالت: وما يبكيك؟ فو الله ما التبس بي أحد من خلق الله تعالى غيره قط، فيقضي الله سبحانه فيما شاء، فلما أتى بها عثمان أمر برجمها فبلغ ذلك عليا فأتاه فقال له: ما تصنع؟ قال: ولدت تماما لستة أشهر، وهل يكون ذلك؟ فقال له علي رضي الله عنه: أما تقرأ القرآن؟ بلى. قال: أما سمعت الله عز وجل يقول وحمله وفصاله ثلاثون شهرا.. ١٥[الأحقاف] وقال حولين كاملين... ٢٣٣[البقرة] فلم نجده بقي إلا ستة أشهر، فقال عثمان: والله ما فطنت بهذا، علي بالمرأة، فوجدوها قد فرغ منها. أورده ابن كثير في تفسيره (٤/١٥٧)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي