ثم أشار سبحانه إلى تحقير الدنيا وأنها من جنس اللعب واللهو، وأن الدار على الحقيقة هي دار الآخرة، فقال : وَمَا هذه الحياة الدنيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ من جنس ما يلهو به الصبيان ويلعبون به وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان . قال ابن قتيبة وأبو عبيدة : إن الحيوان الحياة. قال الواحدي : وهو قول جميع المفسرين ذهبوا إلى أن معنى الحيوان هاهنا : الحياة، وأنه مصدر بمنزلة الحياة، فيكون كالنزوان والغليان ويكون التقدير : وإن الدار الآخرة لهي دار الحيوان، أو ذات الحيوان : أي دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا ينغصها موت، ولا مرض، ولا همّ ولا غمّ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ شيئاً من العلم لما آثروا عليها الدار الفانية المنغصة.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر، قال السيوطي بسند ضعيف عن ابن عمر قال : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان المدينة، فجعل يلتقط التمر ويأكل، فقال لي :«مالك لا تأكل ؟» قلت : لا أشتهيه يا رسول الله، قال :«لكني أشتهيه وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاماً ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يحبون رزق سنتهم ويضعف اليقين» قال : فوالله ما برحنا، ولا رمنا حتى نزلت : وَكَأَيّن مّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا ولا باتباع الشهوات، ألا وإني لا أكنز ديناراً ولا درهماً، ولا أخبأ رزقاً لغد». وهذا الحديث فيه نكارة شديدة لمخالفته لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يعطي نساءه قوت العام كما ثبت ذلك في كتب الحديث المعتبرة. وفي إسناده أبو العطوف الجوزي وهو ضعيف. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس وَإنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان قال : باقية. وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشعب عن أبي جعفر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يا عجباً كل العجب للمصدّق بدار الحيوان وهو يسعى لدار الغرور» وهو مرسل.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني