ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲ

١١ - كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ. الآية. يقال: (دَأبتُ، أَدْأَبُ، دَأبًا) (١). و (دَأَبًا)، و (دُؤُوبًا): إذا اجتهدتَ في الشيء وتعبتَ فيه (٢).
قال الفراء (٣): والعرب تُثقِّلُ (٤) ما كان ثانيه أحد حروف الحلق (٥):
كـ (النَعْلِ)، و (الصَخْرِ)، و (النَهْرِ)، و (الشأْمِ) (٦)، وأنشدَ:

قد سار شرقِيّهُمْ حتى أتى سبأَ وانساحَ غربِيُّهُمْ حتى هو الشأَمُ (٧)
ويقال: (سار فلان يومًا دائِبًا): إذا اجتهد في السير يومه كله. هذا
(١) في (ب): (داءبًا).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج: ١/ ٣٨٠، "تهذيب اللغة" ٢/ ١١٢٧ (دأب).
(٣) قوله بمعناه في "معاني القرآن" له: ٢/ ٤٧. وورد بمعناه في "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣١٣، ونسبه لكتاب (المصادر) للفراء. وأورده السمين الحلبي في "الدر المصون" ٣/ ٤٠.
(٤) في (أ): (تَثَقَّلُ). ولم تضبط بالشكل في بقية النسخ، وصوبته من: "الدر المصون" ٣/ ٤٠.
(٥) حروف الحلق هي: الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء. انظر: "سر صناعة الإعراب" ١/ ٤٦ - ٤٧، "الممتع في التصريف" ٢/ ٦٦٨ - ٦٦٩، "التمهيد" لابن الجزري ص ٨٣. وقد قال الفراء في "معاني القرآن" ٢/ ٤٧ عند قوله تعالى: (دأبا) آية: ٤٧ من سورة يوسف بعد ذكر القراءتين فيها، بتسكين الهمزة وفتحها: (وكذلك كل حرف فُتِح أوله، وسُكِّن ثانيه، فتثقيله جائز إذا كان ثانيه همزةً أو عينًا أو غينًا أو حاءً أو خاءً أو هاءً). وانظر: "تفسير الطبري" ٣/ ١٩١، "البيان" لأبي البركات الأنباري: ٢/ ٤٢.
(٦) في (ب)، (أ): (والشام) في (ج): (والسام). وقصد المؤلف هنا أن هذه الكلمات تُنطق بتسكين الحرف الثاني، أو بفتحه.
(٧) لم أهتد إلى قائله، وقد نقله السمين الحلبي في "الدر المصون" ٣/ ٤٠ عن "البسيط" للواحدي بالرواية التالية:

صفحة رقم 69

معناه في اللغة. ثم يصير الدأْب عبارة عن: الحال، والشأن، والأمر، والعادة؛ لاشتمال العمل والجهد على هذا كله (١).
واختلفوا في معنى الكاف في قوله: كَدَأْبِ: فقال ابن عباس، وعكرمة (٢)، ومجاهد، والسدِّي، وابن زيد (٣): كفعل آل فرعون، وصنيعهم في الكفر والتكذيب.
يريد: إن اليهود كفرت بمحمد - ﷺ - كعادة آل فرعون مع فرعون، عرفوا كَذِبَهُ وصِدْقَ موسى، وكذلك كفار الأمم الخالية.
وعلى هذا التقدير: دأبهم في الكفر، كدأب آل فرعون، فيكون الكافُ في موضع رفعٍ بخبر الابتداء (٤).
و (الدأب) على هذا التفسير والتقدير إن شِئت قلت: معناه: الأمر والشأن. وهو قول الأخفش (٥). وإن شئت قلت: العادة. وهو قول النضر (٦) والمبَرِّد (٧).
وأما الزجَّاج، فإنه أجرى (الدأب) على ما هو موضوع عليه في اللغة، فقال (٨): القول فيه عندي: إنَّ دأب هؤلاء أي (٩): اجتهادهم في كفرهم،

(١) انظر: "مجمل اللغة" ٢/ ٣٤٢، "اللسان" ٣/ ١٣١٠.
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) انظر أقوالهم في "تفسير الطبري" ٣/ ٦٩٠، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٠٣، "تفسير ابن كثير" ١/ ٣٧٥.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجَّاج ١/ ٣٨٠.
(٥) في "معاني القرآن" له ١/ ١٩٤.
(٦) لم أهتد إلى مصدر قوله.
(٧) في "الكامل" له ١/ ٣٧٦.
(٨) في "معاني القرآن" له: ١/ ٣٨٠. نقله المؤلف عنه بتصرف يسير.
(٩) (أي): ساقطة من: (ج).

صفحة رقم 70

وتظاهرهم على النبي - ﷺ -، كتظاهر آل فرعون على موسى عليه السلام.
قال ابنُ الأنباري (١): لم يخاطب الله تعالى العرب إلَّا بما تَعْقِل (٢)، وقد يكون من عادتها أن تحذف المُشَبَّهَ، وتذكر المشَبَّهَ به (٣)، وتكون كاف التشبيه دليلًا على المحذوف، كقول امرئ القيس:
كَدَأبِك من أُمِّ الحْوَيْرِث.... البيت (٤).
أي لَقِيتَ من هذه المنازل، كما لَقِيتَ من هاتين المرأتين (٥)، فحذف، وهذا مشهور في الكلام.

(١) لم أقف على مصدر قوله.
(٢) في (د): (تفعل).
(٣) (به): ساقطة من: (ج).
(٤) البيت من معلقته، وهو في: "ديوانه": ص ١١١. وروايته في "الديوان":
قد سار شرقيهم حتى أتى سبأ وانساح غربيهم حتى هوى الشأما.
كَدِينك من أمِّ الحوَيْرِثِ قَبْلَها وجارَتِها أُمِّ الرَّباب بِمَأسَلِ
وورد كذلك في "تفسير الطبري" ٣/ ١٩١، "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ٢٧، "إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري ٢/ ٥٦٩، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣١٤، "الأمالي" للقالي ٢/ ٢٩٥، "المنصف" لابن جني ١/ ١٥٠، "شرح المعلقات السبع" للزوزني ص ١٠، "شرح القصائد العشر" للتبريزي ص ١٠، "خزانة الأدب" ٣/ ٢٢٣.
والدأب في البيت: العادة. وكذا قوله: (كدينك) أي: كعادتك. و (أم الحويرث) هي: أخت الحارث الكلبي، وهي امرأة أبي الشاعر، كما صَوَّبَ ذلك البغداديُّ في "خزانة الأدب" وقيل: هي أم الحارث الكلبي. و (أم الرَّبَاب): امرأةٌ من بني كلب أيضًا، و (مَأسِل): إسم جبل.
(٥) أي: لقيت من وقوفك على هذه الديار وتذكرك أهلها، كما لقيت من أم الحويرث وجارتها. وقيل: أصابك من التعب من هذه المرأة، كما أصابك من هاتين المرأتين أي: أصبحت عادتك في حب هذه، كعادتك من تَيْنك في قلة حظك من وصالهما ومعاناتك الوجْد بهما.

صفحة رقم 71

وقال بعض أهل المعاني (١): يجوز أن يكون الكاف في محل النصب، متصلة بقوله: وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ؛ لأن (الوقود) وإن كان اسما، ففيه معنى الفعل، ويكون التقدير: تَتَّقد النارُ بأجسامهم [كما تَتَّقدم بأجسام] (٢) آل فرعون، ولم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم عند حلول (٣) النقمة والعقوبة، مثل آل فرعون، أخذناهم وعاقبناهم، فلم يغن عنهم أموالهم ولا أولادهم (٤).
وعلى هذا القول: شُبِّه حال كفار اليهود بحال آل فرعون في العقوبة، وقلة غناء أسوالهم عنهم، وفي القول الأول: التشبيه وقع بين الحالتين في الكفر والتكذيب.
قال النحويون: ولا يجوز أن تكون الكاف من صلة (كفروا) في قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لما وقع بينهما من الفصل بخبر (إنَّ) (٥).
وقوله تعالى: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ. قال بعض أهل اللغة: معنى

(١) ممن قال بذلك النحاس في "معاني القرآن" ١/ ٣٥٩.
(٢) زيادة من: (ج)، (د).
(٣) في (ب): (طول).
(٤) من قوله: (عند حلول) إلى (أولدهم): ساقطة من: (ج)، (د).
(٥) ممن قال: إن الكاف متعلقة بـ كَفَرُوا الفرَّاء. وممن أنكر هذا الوجه الزجَّاج، والنَّحاس. انظر: "معاني القرآن" للزجَّاج ١/ ٣٨٠، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣١٣. وتعليل رأييِهما أن الخبر قد تم بقوله (لن تغني..) فانقطع تعلق الفعل بالكاف، ولا يُعطَف على صلة الموصول بعد تمام الجملة.
وانظر: "البيان" لأبي البركات الأنباري ١/ ١٩٢، "التبيان" للعكبري ١/ ١٧٧. "الكشاف" ١/ ٤١٤، "المحرر الوجيز" ٣/ ٣٢، "البحر المحيط" ١/ ٣٨٩ وقد ذكر عشرة أقوال في إعراب الكاف.

صفحة رقم 72

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية