من المؤولين من اعتبر جملة لَيْسُواْ سَوَاء مستقلة عن ما بعدها. واعتبروا الجملة التالية لها كلاما مستأنفا مستقلا عنها. ومنهم من اعتبر هذه الجملة متصلة بالجملة التالية لها. وأصحاب القول الأول أوّلوا الجملة بأنها في صدد تقرير كون المسلمين وأهل الكتاب الموصوفين بالآيات السابقة لا يصح أن يكونوا سواء. ثم استؤنف الكلام لتقرير كون من أهل الكتاب من هو صالح يتصف بما جاء في الآيات من صفات. ولو أن ما يفعله هذا الفريق لن يجحد من الله تعالى الذي هو العليم بالمتقين. وأصحاب القول الثاني أوّلوا الآيتين بأنهما في صدد الاستدراك لتقرير كون أهل الكتاب ليسوا سواء. فإذا كان منهم الفاسق المعتدي الذي وصف في الآيات السابقة ضمن الصالح المتقي المؤمن بآيات الله والمتعبد لله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والمسارع في الخيرات.
ويتبادر لنا أن القول الثاني هذا هو الأوجه والأكثر اتساقا مع روح الآيات ومقامها ومع السياق السابق واللاحق. والله تعالى أعلم.
تعليق على الآية
لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ...
والآيتين التاليتين لها
روى المفسرون كسبب لنزول الآيات أنه لما أسلم عبد الله بن سلام وجماعة آخرون من يهود قالت أحبار اليهود وأهل الكفر منهم ما آمن بمحمد إلا شرارنا ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم فأنزل الله الآيات. كما رووا أنها في وصف حالة أربعين من أهل نجران وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا نصارى فآمنوا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
والروايات لم ترد في الصحاح، ويتبادر لنا أن الآيات استمرار في السياق وتعقيب عليه. فقد جاء في الآيات السابقة أن أهل الكتاب، وإن كان أكثرهم فاسقين فإن منهم مؤمنين أيضا ثم أخذت تحمل على الفاسقين وتهون من شأنهم فجاءت الآيات تستدرك وتستثني من الجملة الفئة المؤمنة وتذكر مظاهر إيمانهم وإخلاصهم وعملهم الصالح. ونظم الآيات ومضمونها يلهمان هذا بقوة حين الإمعان فيها. وهذا لا ينفي أن تكون الآيات قد قصدت الذين آمنوا بالرسالة المحمدية من أهل الكتاب الذين ذكرت آيات عديدة مكية ومدنية خبر إيمانهم على ما ذكرناه في مناسبات سابقة. مع القول : إننا نرجح أن تكون الآيات في صدد وصف مؤمني اليهود بخاصة ؛ لأن الآيات للاستثناء والاستدراك. والسياق في صدد اليهود والله تعالى أعلم.
وبعض المبشرين يزعمون أن الآيات في وصف رهبان النصارى في حالة احتفاظهم بنصرانيتهم. وبقطع النظر رجحنا بأنها في صدد اليهود فإن وصف الإيمان بعد البعثة المحمدية لا يكون إلا لمن آمن بالرسالة المحمدية. وقد وصف القرآن الكافرين بهذه الرسالة من أهل الكتاب بالكفار على ما نبهنا عليه وأوردنا شواهده القرآنية في مناسبات سابقة. ولا يصح أن يعارض القرآن نفسه فيصف بعضهم بالإيمان وهم جاحدون للرسالة المحمدية. وهذا ما يجعلنا نؤكد أن الآيات في صدد فريق من أهل الكتاب قد آمنوا بهذه الرسالة مع ترجيحنا أنهم من اليهود والله تعالى أعلم.
والوصف الذي احتوته الآيات عظيم الروعة. يدل على أن الذين آمنوا من أهل الكتاب بالرسالة المحمدية قد فعلوا ذلك بإخلاص وتجرد شديدين نتيجة لاقتناعهم بصدق الرسالة المحمدية وما جاءت به من مبادئ وتعاليم ثم استغرقوا في عبادة الله تعالى والتقرب إليه بصالح الأعمال والأخلاق في ظلّ الدين الجديد الذي اعتنقوه وتأثروا بمبادئه وتعاليمه. وفي القرآن المكي والمدني صور مقاربة١ حيث يصح القول : إن هذا كان عاما في من استطاع أن يتغلب على عناده ومكابرته وهواه ومآربه من أهل الكتاب. وقد استمر هذا يتكرر وبمقياس واسع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى اليوم وإلى الأبد.
التفسير الحديث
دروزة