يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعملون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين .
اعلم أن وضع هذه الآيات الواردة في الترهيب والترغيب والإنذار والتبشير في سياق الآيات الواردة في قصة أحد هو من سنة القرآن في مزج فنون الكلام وضروب الحكم والأحكام بعضها ببعض، ومحل بيان سبب ذلك وحكمته مقدمة التفسير، وقد نشير إلى بعضها أحيانا في تفسير بعض الآيات- على أن هذه السنة لا تنافي أن يكون لاتصال كل آية أو آيات بما قبلها وجه وجيه تتقبله البلاغة بقبول حسن كما علم مما سبق.
قال الرازي هنا : اعلم أن من الناس من قال : إنه تعالى لما شرح عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح لهم في أمر الدين وفي أمر الجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي والترغيب والتحذير، فقال : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية ابتداء الكلام ولا تعلق لها بما قبلها، وقال القفال رحمه الله : يحتمل أن يكون ذلك متصلا بما تقدم، من جهة أن المشركين أنفقوا على تلك العساكر أموالا جمعوها بسبب الربا، فلعل ذلك يصير داعيا للمسلمين إلى الإقدام على الربا حتى يجمعوا المال وينفقوه على العسكر فيتمكنون من الانتقام منهم، لا جرم نهاهم عن ذلك ا هـ. والأول قول بعض المعتزلة. ويقال في الثاني : إن المروي في السير أن المشركين أنفقوا في حرب أحد ما ربحوا في تجارة العير التي جاءت من الشام عام بدر كما تقدم، فما أورده الرازي غير وجيه.
قال الأستاذ الإمام : وجه الاتصال بين هذه الآيات وما قبلها أن ما قبلها في بيان أن الله نصر المؤمنين وهم أذلة، وأنهم إنما نصروا بتقوى الله وامتثال الأمر والنهي، ولذلك خذلوا في أحد عند المخالفة والطمع في الغنيمة- وقد جاء هذا بعد النهي عن اتخاذ البطانة من اليهود وبيان أنه لا يضر المؤمنين كيد هؤلاء اليهود ما اعتصموا بالصبر والتقوى- وقد كان من موادة المؤمنين لليهود واتخاذ البطانة منهم أن منهم من رابى كما كانوا يرابون، وكان البعض الآخر مظنة أن يرابي توسلا لجلب المال المحبوب بسهولة. فكان الترتيب في الآيات هكذا : نهاهم عن اتخاذ البطانة من اليهود وأمثالهم من المشركين بشروطها التي هي مثار الضرر، ثم بين لهم ما يتقون به ضررهم وشر كيدهم وهو تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله ؛ ثم ذكرهم بما يدل على صدق ذلك طردا أو عكسا بذكر وقعة بدر ووقعة أحد، ثم نهاهم عن عمل آخر من شر أعمال أولئك اليهود ومن اقتدى بهم من المشركين وأشدها ضررا وهو أكل الربا أضعافا مضاعفة قال : وقد كان ما تقدم تمهيدا لهذا النهي وحجة على أن الربح المتوقع منه ليس هو سبب السعادة وإنما سببها ما ذكر من التقوى والامتثال.
وأطيعوا الله والرسول فيما نهينا عنه من أكل الربا وما أمرنا به من الصدقة ؛ لعلكم ترحمون في الدنيا بما تفيدكم الطاعة من صلاح حال مجتمعكم، وفي الآخرة بحسن الجزاء على أعمالكم، فإن الراحمين يرحمهم الرحمن١ كما ورد في الحديث المرفوع عند أحمد وأبي داود والترمذي وقد رويناه مسلسلا.
قال الأستاذ الإمام قوله " واتقوا النار " وعيد للمرابين بجعلهم مع الكافرين إذا عملوا فيهم عملهم وفيه تنبيه إلى أن الربا قريب من الكفر. وهذا القول بعد قوله واتقوا الله لعلكم ترحمون تأكيد بعد تأكيد ثم أكده أيضا بالأمر بطاعته وطاعة الرسول فمؤكدات التنفير من الربا أربعة. وقد قلنا من قبل إن مسألة الربا ليست مدنية محضة بل هي دينية أيضا والغرض الديني منها التراحم المفضي إلى التعاون فالمقرض اليوم قد يكون مقترضا غدا، فمن أعان جدير بأن يعان.
تفسير المنار
رشيد رضا