ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ١٣٧ هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ١٣٨ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ١٣٩ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ١٤٠ وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ آل عمران ١٣٧-١٤١
تفسير المفردات خلت : مضت و السنن : واحدها سنة و هي الطريقة المعتبرة و السيرة المتبعة من قولهم سن الماء و على صبه شبهت به السنة لتوالي أجزائها على نهج واحد
وفي هذه الآيات وما بعدها، يذكرهم بسنن الله و خليفته، وإنما من صار على نهجها أدى به ذلك على السعادة، ومن حاد عنها ضل، وكانت عاقبته الشقاء و البوار و أن الحق لابد أن ينظر على الباطل مهما كانت له أول الأمر من صولة كما وعد الله بذلك على السنة رسوله وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ( الصافات ١٧١-١٧٣ ) و قال وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ( الأنبياء ١٠٥. ).
الإيضاح : قد خلت من فبلكم سنن أي أن أمر البشر في اجتماعهم و ما يعرض فيه من مصارعة الحق للباطل و ما بلابس ذلك من الحرب والطغيان و النزال و الملك والسيادة، يجري على طرق قويمة، وقواعد ثابتة واقتضتها الحكمة و المصلحة العامة
و قد جاء ذكر السنن الإلهية في مواضيع من الكتاب الكريم كقوله : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ ( الأنفال ٣٧ ).
و قوله في سياق دعوة الإسلام وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا ( الكهف ٥٥ ).
و المراد بذلك أن مشيئة الله في خلقه التسيير على سنن حكيمة، من صار عليها ظفر، ومن كان ملحدا أو وثنيا ومن تنكبها خسر، وإن كان صديقا و نبيا. فلا عجب أن ينهزم المسلمون في وقعة أحد و أن يصل المشركون إلى النبي صلى الله عليه و سلم فيشجوا رأسه و يكسر سنه و يردوه في حفرة، والمسلمون الصادقون أولى الناس بمعرفة تلك السنن في الأمم و أجدر الناس بأن يسيروا على هديها، لذلك لم يلبث أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أن ثابوا إلى رشدهم يومئذ ورجعوا إلى الدفاع عن نبيهم وثبتوا حتى انجلى المشركون عنهم ولم ينالوا ما كانوا يقصدون.
و الخلاصة : عن النظر في أحوال من تقدمكم من الصالحين والمكذبين يهديكم إلى الطريق المستقيم، فإن أنتم سلكتم سبيل الصالحين فعاقبتكم كعاقبتهم، و إن سلكتم سبيل المكذبين فحالكم كحالهم.
و في الآية تذكير لمن خالف أمر النبي صلى الله عليه و سلم يوم أحد، وإرشاد لهم و إلى أنهم بين عاملي خوف ورجاء، فهي على أنها بشارة لهم بالنصر على عدوهم إنذار بسوء العاقبة إذا هم حادوا عن سننه و ساروا في طريق الضالين ممن قبلهم، وعلى الجملة، فالآية خبر وتشريع وتتضمن وعدا ووعيدا وأمرا و نهيا
وقد جرت سنة الله بأن للمشاهد في تثبيت الحقائق ما ليس للقول وحده، إذ القول قد ينسى و يقل الاعتبار به ومن قبل هذا أرشدهم إلى الاعتبار وقياس ما في أنفسهم على ما كان لدى غيرهم من قبلهم ومن ثم قال : فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين أي : فسيروا في الأرض و تأملوا فيما حل بالأمم قبلكم، ليحصل لكم العلم الصحيح المبني على المشاهدة و الاختبار، وتسترشدوا بذلك إلى أن المصارعة قد وقعت بين الحق و الباطل في الأمم السالفة، وانتهى أمرها إلى غلبة أهل الحق لأهل الباطل و انتصارهم عليهم ما تمسكوا بالصبر و التقوى، و يدخل في ذلك إتباع ما أمر الله به من الاستعداد للحرب وإعداد العدة لقتال العدو كما أمر الله به في قوله : وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ ( الأنفال : ٦٠ ).
وجرى ذلك على سنن مستقيمة و أسباب مطردة لا تغيير فيها و لا تبديل.
و السير في الأرض و البحث عن أحوال الماضين و تعرف ما حل بهم- نعم العون على معرفة تل السنن و الاعتبار بهاو قد نستفيد هذه الفائدة بالنظر في كتب التاريخ التي دونها من ساروا في الأرض و رأوا آثار الذين خلوا فتحصل لنا العظة و العبرة ولكنها تكون دون اعتبار الذين يسيرون في الأرض بأنفسهم و يرون الآثار بأعينهم :
تلك آثارنا تدل علينا فانظر بعدنا إلى الآثار


وفي هذه الآيات وما بعدها، يذكرهم بسنن الله و خليفته، وإنما من صار على نهجها أدى به ذلك على السعادة، ومن حاد عنها ضل، وكانت عاقبته الشقاء و البوار و أن الحق لابد أن ينظر على الباطل مهما كانت له أول الأمر من صولة كما وعد الله بذلك على السنة رسوله وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ( الصافات ١٧١-١٧٣ ) و قال وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ( الأنبياء ١٠٥. ).

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير