ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ

( ١ ) ولا تهنوا : بمعنى ولا تضعفوا أو لا تروا في أنفسكم ذلة أو مهانة.
( ٢ ) قرح : بمعنى الأذى والسوء. قيل إنها هنا بمعنى ما أصاب المسلمين في أحد من جروح وقتل.
( ٣ ) وليعلم الله : ولما يعلم الله، المتبادر أنهما تعبيران أسلوبيان بمعنى ليظهر الله.
( ٤ ) وليمحص : ولينقي. أو ليختبر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ( ١٣٧ ) هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ( ١٣٨ ) وَلاَ تَهِنُوا ( ١ ) وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( ١٣٩ ) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ ( ٢ ) مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ( ٣ ) الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( ١٤٠ ) وَلِيُمَحِّصَ( ٤ ) اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ( ١٤١ ) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( ١٤٢ ) . [ ١٣٧ ـ ١٤٢ ].
في هذه الآيات وجه الخطاب إلى المؤمنين وهي :
١ ـ مقررة أنه قد جرت سنة الله قبلهم في خذل الكافرين والمكذبين، وأنه لمن الممكن أن يروا مصداق ذلك في الأمم السابقة إذا ساروا في الأرض وزاروا مساكنها وآثارها، وأن القرآن قد احتوى من القصص والأمثال ما فيه البيان الكافي والهدى والموعظة لمن يتقي الله ويؤمن به.
٢ ـ وناهية عن أن يهنوا ويحزنوا لما أصابهم. فهم الأعلون على أعدائهم على كل حال. وفي البداية والنهاية على ما جرت سنة الله وعليهم أن يطمئنوا بذلك كل الطمأنينة إذا كانوا مؤمنين حقا.
٣ ـ ومنبهة إلى أنه إذا كان أصابهم أذى وسوء فقد أصاب أعداءهم مثل ذلك أيضا، وأن الأيام دول وسجال بين الناس، وأن ما أصابهم في هذا اليوم مما اقتضته حكمة الله ؛ حيث أراد أن يختبر الناس ويظهرهم على حقيقتهم ويميز المؤمنين الصادقين ويكرم بعضهم بالشهادة وينقي نفوسهم ويطهرها فلا ينبغي أن يخطر ببال أحد منهم أنه تخلى عنهم. فإن الله لا يحب البغاة الظالمين ولا بد له من محق الكافرين والمكذبين، وأنه لا ينبغي لهم أن يحسبوا أن دخول الجنة أمر سهل، وإنما هو منوط باختبارات يختبر الله بها عباده ويتميز فيها المجاهدون منهم والصابرون بالفعل والبرهان.
تعليق على الآية
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ... إلخ
وما بعدها لغاية الآية [ ١٤٢ ]
وعلى ما فيها من مشاهد وقعة أحد وخلاصة أحداث هذه الوقعة
وواضح أن أسلوب الآيات هو أسلوب تطمين وتسكين وتسلية وتعزية وتقوية نفس وتهدئة روع وبعث أمل.
وقد روى المفسرون أن الآيتين [ ١٣٩ ـ ١٤٠ ] نزلتا حينما ندب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بعد وقعة أحد إلى الخروج إلى الكفار الذين بلغه أنهم فكروا في الكرة على المسلمين على ما ذكرناه قبل، كما رووا أنهما نزلتا في تسلية المسلمين عن دوران الدائرة عليهم في وقعة أحد.
والرواية الثانية هي الأكثر اتساقا مع فحوى الآيات مع القول : إن ما جاء فيها ينسحب على الآيات جميعها ؛ لأنها سلسلة منسجمة. ولقد حلّ بالمؤمنين في وقعة أحد آلام وأحزان وضحايا فاقتضت حكمة التنزيل معالجتها بهذه الآيات القوية النافذة حقا التي من شأنها بعث الطمأنينة والعزاء والأمل في المسلمين.
وخلاصة ما روي من وقائع وقعة أحد١ أن قريشا زحفوا بثلاثة آلاف فيهم ٧٠٠ دارع ومعهم ٢٠٠ فرس و٣٠٠٠ بعير وخمس عشرة امرأة منهن هند زوجة أبي سفيان ليذكرن الرجال بقتلى بدر ويحمسنهم على القتال والثأر. وكان الذين خرجوا مع رسول الله وشهدوا المعركة ٧٠٠ وقد طمأنهم النبي بتأييد الله ونصره إذا صبروا وثبتوا. وجعل الرماة في مكان عال وشدد عليهم الوصية بأن لا يغادروا مكانهم مهما جرى، وأن يستمروا على رشق العدو بالنبال من ورائهم وحماية ظهرهم. ثم رتب الصفوف. ونشب القتال بالمبارزة ثم بالتزاحف فانكشف المشركون وانهزموا لا يلوون على شيء وتبعهم المسلمون يضعون فيهم السلاح حتى أجهضوهم ـ أبعدوهم ـ عن معسكرهم، ثم أقبلوا ينتبهون هذا المعسكر. ورأى الرماة ما جرى فظنوا أن المعركة انتهت وتداولوا الأمر في النزول والاشتراك في النهب، فاعترض البعض وقالوا : إن هذا مخالف لوصية رسول الله. وتنازعوا ثم ترك أكثرهم مكانه ولم يبق ثابتا إلا ثلاثة عشر بقيادة عبد الله بن جبير ظلوا يرمون المشركين بنبالهم. ورأى خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ـ وكانا على خيالة قريش ـ خلو المرتفع من حماته الرماة فكرا بالخيل على هذه الناحية وقتلوا من بقي من الرماة فيه، ثم أتوا المسلمين من ورائهم فانتقضت صفوف المسلمين وانقلبت المعركة ضدهم وأخذوا ينهزمون صاعدين الجبل، ونادى مناد من ناحية قريش : إن محمدا قد قتل، فازداد الذعر والفوضى، وانهزم معظم المسلمين لا يلوون على شيء.
وقد ثبت النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وغيرهما من أصحابه في الميدان. وسقط في حفرة فكسرت رباعيته وشج رأسه، ولكنه ظلّ ثابت الجنان يهتف بالمسلمين ويدعوهم إلى العودة، فلم يلبثوا أن آب إليهم رشدهم وعادوا إلى النبي وكان القتال قد توقف وقد استشهد نحو عشرة من المهاجرين في رواية وأقل من ذلك في رواية، منهم حمزة عمّ النبي ومصعب بن عمير الذي أرسله رسول الله إلى المدينة بعد اتفاقه مع أهلها قارئا وإماما وداعيا، وكان صاحب راية رسول الله يوم أحد، ونحو سبعين من الأنصار رضي الله عنهم جميعا. وكان قاتل حمزة حبشيا مملوكا اسمه وحشي عند جبير بن مطعم فوعده بالعتق إن هو قتل حمزة ثأرا لعمه طعمة الذي قتل في بدر. وكان وحشي ماهرا برمي الحربة ففعل. وروي أن هند زوجة أبي سفيان كانت من المحرضات له ثأرا لأخيها وأبيها وابن لها قتلوا في بدر أيضا، ومما روي أنها بقرت بطن حمزة وأخذت قطعة من قلبه أو كبده ولاكتها. وكان عدد قتلى قريش ٢٣ فيهم بعض الصناديد. وقد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا منهم هو أبي بن خلف الجمحي حيث هاجم النبي وقال له : سأقتلك، فقال له : بل أنا الذي أقتلك، ثم رماه بحربة كسرت أضلاعه، وما لبث أن هلك.
ومما روي من صور بطولات المخلصين في المعركة أن عمّ أنس بن مالك كان غاب عن بدر فقال :" لئن أشهدني الله مع النبي يوما ليرين مني ما أحب، فجاهد يوم أحد، فلما انهزم الناس قال : اللهم إني أعتذر إليك ما صنع المسلمون، وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، ثم تقدم فما زال يقاتل حتى قتل وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية سهم ". وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد بسبعة من الأنصار ورجلين من المهاجرين، فلما رهقه المشركون قال : من يردهم وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، ثم تقدم أخر فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الآخرون يتقدمون واحد بعد آخر دون رسول الله حتى قتلوا. وأن أبا طلحة وكان رجلا راميا شديد النزع فقام على رأس رسول الله، فيما انهزم الناس وأخذ يرمي بسهامه حتى كسر قوسين أو ثلاثة. والنبي يقول لمن يمرّ عليه بحجفة من النبل : انثرها لأبي طلحة. ولقد أشرف النبي على الناس فقال له أبو طلحة : بأبي أنت وأمي لا تشرف. يصبك سهم ونحري دون نحرك. وروى الطبرسي عن الإمام أبي جعفر أن عليا رضي الله عنه أصابه يوم أحد ستون جرحا فعالجته أم عطية بأمر رسول الله، وكان رسول الله والمسلمون يعودونه، وكان عليّ يقول : الحمد لله لم أفرّ ولم أول الدبر.
ومما روي أن أبا سفيان هتف : أفي القوم محمد ؟ ثلاث مرات فأمر النبي بأن لا يجيبوه. ثم هتف : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ ثم هتف : أفي القوم ابن الخطاب ؟ فلما لم يسمع جوابا قال لقومه : أما هؤلاء فقد قتلوا وكفيتموهم. فما ملك عمر نفسه أن قال : كذبت يا عدو الله إنهم لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك. كذلك مما روي أن أبا سفيان هتف ( يوم بيوم بدر ) والحرب سجال وستجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز ( اعل هبل. اعل هبل ) فردّ عليه المسلمون بأمر النبي ( الله أعلى وأجل ) وهتف ( لنا العزى ولا عزى لكم ) فأجابوه ( الله مولانا ولا مولى لكم ).
ومما روي أن قريشا ندموا لعدم استئصال المسلمين وفكروا في الكرة عليهم، وعلم النبي بذلك فندب المسلمين إلى الخروج، فاستجابوا له وخرجوا رغم ما كان ألمّ به وبهم من جروح وتعب وحزن فوصلوا مكانا اسمه حمراء الأسد فوجدوا قريشا قد انصرفوا.
وفي الآيات التالية إشارات عديدة تؤيد صحة كثير مما جاء في هذه المرويات التي ورد كثير منها في صحيح البخاري ومسلم أيضا٢.
ومع خصوصية الآيات الزمنية فإنها جديرة أن تكون منبع قوة روحية مستمرة ينهل منه المسلمون المخلصون في كل زمن ومكان، يقع عليهم مثل ما وقع على المسلمين في يوم أحد، فيردّ عنهم شعور الفزع واليأس ويمدهم بالتأييد الذي يحفزهم على مقابلة الموقف بما يقتضيه من النشاط والتفاني.
ولقد كان ثبات النبي صلى الله عليه وسلم في الميدان وشجاعته ورباطة جأشه وهو ما أيدته الآيات التي تأتي بعد قليل رغم ما أصابه من جروح ورغم انهزام معظم جيشه موقفا لائقا بالعظمة النبوية. وكان فيما هو المتبادر العامل الأقوى في وقوف كفار قريش عند الحد الذي وقفت عنده المعركة على كثرة عددهم وقوة عددهم ؛ حيث عاد المنهزمون وانضووا إليه وتجلدوا وتماسكوا أمام عدوهم القوي. وقد تجلت مثل هذه العظمة في خروجه على رأس المسلمين للقاء هذا العدو الذي قيل : إنه كان يفكر في الكرة. وفي هذا وذاك أروع الأمثلة وأقوى الأسوة لزعماء المسلمين وقادتهم الذي يجب أن يكون لهم في رسول الله الأسوة الحسنة.



قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ( ١٣٧ ) هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ( ١٣٨ ) وَلاَ تَهِنُوا ( ١ ) وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( ١٣٩ ) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ ( ٢ ) مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ( ٣ ) الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( ١٤٠ ) وَلِيُمَحِّصَ( ٤ ) اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ( ١٤١ ) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( ١٤٢ ) . [ ١٣٧ ـ ١٤٢ ].
في هذه الآيات وجه الخطاب إلى المؤمنين وهي :
١ ـ مقررة أنه قد جرت سنة الله قبلهم في خذل الكافرين والمكذبين، وأنه لمن الممكن أن يروا مصداق ذلك في الأمم السابقة إذا ساروا في الأرض وزاروا مساكنها وآثارها، وأن القرآن قد احتوى من القصص والأمثال ما فيه البيان الكافي والهدى والموعظة لمن يتقي الله ويؤمن به.
٢ ـ وناهية عن أن يهنوا ويحزنوا لما أصابهم. فهم الأعلون على أعدائهم على كل حال. وفي البداية والنهاية على ما جرت سنة الله وعليهم أن يطمئنوا بذلك كل الطمأنينة إذا كانوا مؤمنين حقا.
٣ ـ ومنبهة إلى أنه إذا كان أصابهم أذى وسوء فقد أصاب أعداءهم مثل ذلك أيضا، وأن الأيام دول وسجال بين الناس، وأن ما أصابهم في هذا اليوم مما اقتضته حكمة الله ؛ حيث أراد أن يختبر الناس ويظهرهم على حقيقتهم ويميز المؤمنين الصادقين ويكرم بعضهم بالشهادة وينقي نفوسهم ويطهرها فلا ينبغي أن يخطر ببال أحد منهم أنه تخلى عنهم. فإن الله لا يحب البغاة الظالمين ولا بد له من محق الكافرين والمكذبين، وأنه لا ينبغي لهم أن يحسبوا أن دخول الجنة أمر سهل، وإنما هو منوط باختبارات يختبر الله بها عباده ويتميز فيها المجاهدون منهم والصابرون بالفعل والبرهان.
تعليق على الآية
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ... إلخ
وما بعدها لغاية الآية [ ١٤٢ ]
وعلى ما فيها من مشاهد وقعة أحد وخلاصة أحداث هذه الوقعة
وواضح أن أسلوب الآيات هو أسلوب تطمين وتسكين وتسلية وتعزية وتقوية نفس وتهدئة روع وبعث أمل.
وقد روى المفسرون أن الآيتين [ ١٣٩ ـ ١٤٠ ] نزلتا حينما ندب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بعد وقعة أحد إلى الخروج إلى الكفار الذين بلغه أنهم فكروا في الكرة على المسلمين على ما ذكرناه قبل، كما رووا أنهما نزلتا في تسلية المسلمين عن دوران الدائرة عليهم في وقعة أحد.
والرواية الثانية هي الأكثر اتساقا مع فحوى الآيات مع القول : إن ما جاء فيها ينسحب على الآيات جميعها ؛ لأنها سلسلة منسجمة. ولقد حلّ بالمؤمنين في وقعة أحد آلام وأحزان وضحايا فاقتضت حكمة التنزيل معالجتها بهذه الآيات القوية النافذة حقا التي من شأنها بعث الطمأنينة والعزاء والأمل في المسلمين.
وخلاصة ما روي من وقائع وقعة أحد١ أن قريشا زحفوا بثلاثة آلاف فيهم ٧٠٠ دارع ومعهم ٢٠٠ فرس و٣٠٠٠ بعير وخمس عشرة امرأة منهن هند زوجة أبي سفيان ليذكرن الرجال بقتلى بدر ويحمسنهم على القتال والثأر. وكان الذين خرجوا مع رسول الله وشهدوا المعركة ٧٠٠ وقد طمأنهم النبي بتأييد الله ونصره إذا صبروا وثبتوا. وجعل الرماة في مكان عال وشدد عليهم الوصية بأن لا يغادروا مكانهم مهما جرى، وأن يستمروا على رشق العدو بالنبال من ورائهم وحماية ظهرهم. ثم رتب الصفوف. ونشب القتال بالمبارزة ثم بالتزاحف فانكشف المشركون وانهزموا لا يلوون على شيء وتبعهم المسلمون يضعون فيهم السلاح حتى أجهضوهم ـ أبعدوهم ـ عن معسكرهم، ثم أقبلوا ينتبهون هذا المعسكر. ورأى الرماة ما جرى فظنوا أن المعركة انتهت وتداولوا الأمر في النزول والاشتراك في النهب، فاعترض البعض وقالوا : إن هذا مخالف لوصية رسول الله. وتنازعوا ثم ترك أكثرهم مكانه ولم يبق ثابتا إلا ثلاثة عشر بقيادة عبد الله بن جبير ظلوا يرمون المشركين بنبالهم. ورأى خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ـ وكانا على خيالة قريش ـ خلو المرتفع من حماته الرماة فكرا بالخيل على هذه الناحية وقتلوا من بقي من الرماة فيه، ثم أتوا المسلمين من ورائهم فانتقضت صفوف المسلمين وانقلبت المعركة ضدهم وأخذوا ينهزمون صاعدين الجبل، ونادى مناد من ناحية قريش : إن محمدا قد قتل، فازداد الذعر والفوضى، وانهزم معظم المسلمين لا يلوون على شيء.
وقد ثبت النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وغيرهما من أصحابه في الميدان. وسقط في حفرة فكسرت رباعيته وشج رأسه، ولكنه ظلّ ثابت الجنان يهتف بالمسلمين ويدعوهم إلى العودة، فلم يلبثوا أن آب إليهم رشدهم وعادوا إلى النبي وكان القتال قد توقف وقد استشهد نحو عشرة من المهاجرين في رواية وأقل من ذلك في رواية، منهم حمزة عمّ النبي ومصعب بن عمير الذي أرسله رسول الله إلى المدينة بعد اتفاقه مع أهلها قارئا وإماما وداعيا، وكان صاحب راية رسول الله يوم أحد، ونحو سبعين من الأنصار رضي الله عنهم جميعا. وكان قاتل حمزة حبشيا مملوكا اسمه وحشي عند جبير بن مطعم فوعده بالعتق إن هو قتل حمزة ثأرا لعمه طعمة الذي قتل في بدر. وكان وحشي ماهرا برمي الحربة ففعل. وروي أن هند زوجة أبي سفيان كانت من المحرضات له ثأرا لأخيها وأبيها وابن لها قتلوا في بدر أيضا، ومما روي أنها بقرت بطن حمزة وأخذت قطعة من قلبه أو كبده ولاكتها. وكان عدد قتلى قريش ٢٣ فيهم بعض الصناديد. وقد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا منهم هو أبي بن خلف الجمحي حيث هاجم النبي وقال له : سأقتلك، فقال له : بل أنا الذي أقتلك، ثم رماه بحربة كسرت أضلاعه، وما لبث أن هلك.
ومما روي من صور بطولات المخلصين في المعركة أن عمّ أنس بن مالك كان غاب عن بدر فقال :" لئن أشهدني الله مع النبي يوما ليرين مني ما أحب، فجاهد يوم أحد، فلما انهزم الناس قال : اللهم إني أعتذر إليك ما صنع المسلمون، وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، ثم تقدم فما زال يقاتل حتى قتل وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية سهم ". وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد بسبعة من الأنصار ورجلين من المهاجرين، فلما رهقه المشركون قال : من يردهم وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، ثم تقدم أخر فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الآخرون يتقدمون واحد بعد آخر دون رسول الله حتى قتلوا. وأن أبا طلحة وكان رجلا راميا شديد النزع فقام على رأس رسول الله، فيما انهزم الناس وأخذ يرمي بسهامه حتى كسر قوسين أو ثلاثة. والنبي يقول لمن يمرّ عليه بحجفة من النبل : انثرها لأبي طلحة. ولقد أشرف النبي على الناس فقال له أبو طلحة : بأبي أنت وأمي لا تشرف. يصبك سهم ونحري دون نحرك. وروى الطبرسي عن الإمام أبي جعفر أن عليا رضي الله عنه أصابه يوم أحد ستون جرحا فعالجته أم عطية بأمر رسول الله، وكان رسول الله والمسلمون يعودونه، وكان عليّ يقول : الحمد لله لم أفرّ ولم أول الدبر.
ومما روي أن أبا سفيان هتف : أفي القوم محمد ؟ ثلاث مرات فأمر النبي بأن لا يجيبوه. ثم هتف : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ ثم هتف : أفي القوم ابن الخطاب ؟ فلما لم يسمع جوابا قال لقومه : أما هؤلاء فقد قتلوا وكفيتموهم. فما ملك عمر نفسه أن قال : كذبت يا عدو الله إنهم لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك. كذلك مما روي أن أبا سفيان هتف ( يوم بيوم بدر ) والحرب سجال وستجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز ( اعل هبل. اعل هبل ) فردّ عليه المسلمون بأمر النبي ( الله أعلى وأجل ) وهتف ( لنا العزى ولا عزى لكم ) فأجابوه ( الله مولانا ولا مولى لكم ).
ومما روي أن قريشا ندموا لعدم استئصال المسلمين وفكروا في الكرة عليهم، وعلم النبي بذلك فندب المسلمين إلى الخروج، فاستجابوا له وخرجوا رغم ما كان ألمّ به وبهم من جروح وتعب وحزن فوصلوا مكانا اسمه حمراء الأسد فوجدوا قريشا قد انصرفوا.
وفي الآيات التالية إشارات عديدة تؤيد صحة كثير مما جاء في هذه المرويات التي ورد كثير منها في صحيح البخاري ومسلم أيضا٢.
ومع خصوصية الآيات الزمنية فإنها جديرة أن تكون منبع قوة روحية مستمرة ينهل منه المسلمون المخلصون في كل زمن ومكان، يقع عليهم مثل ما وقع على المسلمين في يوم أحد، فيردّ عنهم شعور الفزع واليأس ويمدهم بالتأييد الذي يحفزهم على مقابلة الموقف بما يقتضيه من النشاط والتفاني.
ولقد كان ثبات النبي صلى الله عليه وسلم في الميدان وشجاعته ورباطة جأشه وهو ما أيدته الآيات التي تأتي بعد قليل رغم ما أصابه من جروح ورغم انهزام معظم جيشه موقفا لائقا بالعظمة النبوية. وكان فيما هو المتبادر العامل الأقوى في وقوف كفار قريش عند الحد الذي وقفت عنده المعركة على كثرة عددهم وقوة عددهم ؛ حيث عاد المنهزمون وانضووا إليه وتجلدوا وتماسكوا أمام عدوهم القوي. وقد تجلت مثل هذه العظمة في خروجه على رأس المسلمين للقاء هذا العدو الذي قيل : إنه كان يفكر في الكرة. وفي هذا وذاك أروع الأمثلة وأقوى الأسوة لزعماء المسلمين وقادتهم الذي يجب أن يكون لهم في رسول الله الأسوة الحسنة.

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير