وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رُؤْيَةِ الْقَلْبِ عَلَى كُلِّ الْأَقْوَالِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: رَأْيَ الْعَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ رُؤْيَةَ الْقَلْبِ عِلْمٌ، وَمُحَالٌ أَنْ يَعْلَمَ الشَّيْءَ شَيْئَيْنِ.
(يُؤَيِّدُ) : يُقْرَأُ بِالْهَمْزِ عَلَى الْأَصْلِ وَبِالتَّخْفِيفِ ; وَتَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ هُنَا جَعْلُهَا وَاوًا خَالِصَةً ; لِأَجْلِ الضَّمَّةِ قَبْلَهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ لِقُرْبِهَا مِنَ الْأَلِفِ.
وَلَا يَكُونُ مَا قَبْلَ الْأَلِفِ إِلَّا مَفْتُوحًا، وَلِذَلِكَ لَمْ تُجْعَلِ الْهَمْزَةُ الْمَبْدُوءُ بِهَا بَيْنَ بَيْنَ لِاسْتِحَالَةِ الِابْتِدَاءِ بِالْأَلِفِ.
قَالَ تَعَالَى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (زُيِّنَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الزَّايِ، وَرَفْعِ «حُبُّ».
وَيُقْرَأُ بِالْفَتْحِ وَنَصْبِ حُبُّ، تَقْدِيرُهُ: زَيَّنَ لِلنَّاسِ الشَّيْطَانُ عَلَى مَا جَاءَ صَرِيحًا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى، وَحُرِّكَتِ الْهَاءُ فِي «الشَّهَوَاتِ» ; لِأَنَّهَا اسْمٌ غَيْرُ صِفَةٍ.
(مِنَ النِّسَاءِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الشَّهَوَاتِ. وَالنُّونُ فِي الْقِنْطَارِ أَصْلٌ، وَوَزْنُهُ فِعْلَالٌ مِثْلُ حِمْلَاقٌ. وَقِيلَ: هِيَ زَائِدَةٌ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ قَطَرَ يَقْطُرُ إِذَا جَرَى، وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ يُشَبَّهَانِ بِالْمَاءِ فِي الْكَثْرَةِ وَسُرْعَةِ التَّقَلُّبِ.
و من الذَّهَب فى مَوضِع الْحَال من المقنطرة
(وَالْخَيْلِ) : مَعْطُوفٌ عَلَى النِّسَاءِ، لَا عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ; لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى قِنْطَارًا وَوَاحِدُ الْخَيْلِ خَائِلٌ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخُيَلَاءِ، مِثْلُ طَيْرٍ وَطَائِرٍ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ بَلْ هُوَ اسْمٌ لِلْجَمْعِ، وَالْوَاحِدُ فَرَسٌ، وَلَفْظُهُ لَفْظُ الْمَصْدَرِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِنْ خَيَّلَ. وَلَمْ يَجْمَعِ «الْحَرْثَ» ; لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ ; وَأَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِدْغَامُ الثَّاءِ فِي الذَّالِ هُنَا لِئَلَّا يُجْمَعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ ; لِأَنَّ الرَّاءَ سَاكِنَةٌ، فَأَمَّا الْإِدْغَامُ فِي قَوْلِهِ «يَلْهَثُ ذَلِكَ» فَجَائِزٌ.
وَ (الْمَآبِ) : مَفْعَلٌ، مِنْ آبَ يَئُوبُ، وَالْأَصْلُ مَأْوَبٌ، فَلَمَّا تَحَرَّكَتِ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ آبَ، قُلِبَتْ أَلِفًا.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ) : يُقْرَأُ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ، وَتُقْلَبُ الثَّانِيَةُ وَاوًا خَاصَّةً ; لِانْضِمَامِهَا وَتَلْيِينِهَا، وَهُوَ جَعْلُهَا بَيْنَ الْوَاوِ وَالْهَمْزَةِ، وَسَوَّغَ ذَلِكَ انْفِتَاحُ مَا قَبْلَهَا.
(بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ) :«مِنْ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِخَيْرٍ ; تَقْدِيرُهُ: بِمَا يَفْضُلُ ذَلِكَ، وَلَا
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِخَيْرٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ الْجَنَّةُ وَمَا فِيهَا مِمَّا رَغِبُوا فِيهِ بَعْضًا لِمَا زَهِدُوا فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَنَحْوِهَا. (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) : خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ «جَنَّاتٌ». وَ (تَجْرِي) : صِفَةٌ لَهَا.
وَ (عِنْدَ رَبِّهِمْ) : يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلِاسْتِقْرَارِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْجَنَّاتِ فِي الْأَصْلِ قُدِّمَ فَانْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ تَجْرِي. وَ (مِنْ تَحْتِهَا) : مُتَعَلِّقٌ بِتَجْرِي. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْأَنْهَارِ ; أَيْ تَجْرِي الْأَنْهَارُ كَائِنَةً تَحْتَهَا
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي