ذكرنا فيما تقدم في صدر السورة؛ قال: وكل أهل الجنة مطهر من جميع المعايب؛ لأن العيوب في الأشياء عَلَم الفناء، وهم خلقوا للبقاء، إلا أن الذكْر جَرَى للنساء؛ لما ظهر في الدنيا فيهن من فضل المعايب والأذى.
وقوله: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا... (١٦)
قد رضي منهم بهذا القول، وفيه تزكية لهم، ولو كان الإيمان: جميعَ الطاعات - لم يرض منهم التزكية بها، وقد أخبر اللَّه نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن للذين اتقوا عند ربهم في الجنة خيرا من هذا الذي زُيِّن، للناس في الدنيا من النساء، وما ذكر إلى آخره.
وقوله: (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا): يحتمل: اتقوا الشرك. ويحتمل: للذين اتقوا الفواحش والمعاصي كلها.
وقوله: (الصَّابِرِينَ (١٧)
قيل: الصابرين على طاعة اللَّه.
وقيل: الصابرين، على أداء الفرائض.
وقيل: الصَّابرين على المرازئ والمصائب والشدائد.
والصبر: هو حبس النفس عن جميع ما تهوى وتشتهي.
وقوله: (وَالصَّادِقِينَ). قيل: في إيمانهم.
وقيل: الصَّادِقِينَ بما وَعَدوا.
وقيل: الصادقين في جميع ما يقولون ويخبرون.
(وَالْمُنْفِقِينَ). يحتمل الإنفاق: ما لزم من أموالهم من الزكاة والصدقات.
ويحتمل: المنفقين المؤدين حقوق بعضهم بعضًا من حق القرابة والصلة.
(وَالْقَانِتِينَ). قيل: القانت: الخاضع.
وقيل: القانت: المطيع.
وقيل: الخاشع، وكله يرجع إلى واحد، وأصله: القيام، وكل من قام لآخر كان مطيعًا وخاشعًا وخاضعًا ومقرًا.
وقيل: القانت: المقر كقوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ)، أي: مقرون.
وقال قتادة: (الصَّابِرِينَ): الذين صبروا على طاعة اللَّه، وصبروا عن محارمه.
(وَالصَّادِقِينَ): الذين صدقت نياتهم، واستقامت قلوبهم وألسنتهم، وصدقوا في الشر والعلانية (وَالْقَانِتِينَ): المطيعين. (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ)، (وَالْمُنْفِقِينَ): يعني: نفقة أموالهم في سبيل الله.
(وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ): قيل: المصلين بالأسحار.
وقيل: المصلين في أول الليل، والمستغفرين في آخره.
وأصل الاستغفار: طلب المغفرة مما ارْتُكِب من المآثم، على ندامة القلب، والعزيمة على ترك العود إلى مثله أبدًا، ليس كقول الناس: نستغفر اللَّه، على غير ندامة القلب، وأصل الاستغفار في الحقيقة: طلب المغفرة بأسبابها، ليس أن يقول بلسانه: اغفر لي؛ كقول نوح - عليه السلام -: لقومه: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ)، أمرهم بالتوحيد، ثم أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أن الجنة هي للصابرين والصادقين إلى آخر ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم