قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) : هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ ذَلِكَ الْأَمْرُ ذَلِكَ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: (بِأَنَّهُمْ قَالُوا) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِمَّا فِي ذَا مِنْ مَعْنَى الْإِشَارَةِ ; أَيْ ذَلِكَ الْأَمْرُ مُسْتَحَقًّا بِقَوْلِهِمْ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَالْجَيِّدُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ وَبِأَنَّهُمْ خَبَرُهُ ; أَيْ ذَلِكَ الْعَذَابُ مُسْتَحَقٌّ بِقَوْلِهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ) كَيْفَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَصْنَعُونَ، أَوْ كَيْفَ يَكُونُونَ.
وَقِيلَ: كَيْفَ ظَرْفٌ لِهَذَا الْمَحْذُوفِ، وَإِذَا ظَرْفٌ لِلْمَحْذُوفِ أَيْضًا.
قَالَ تَعَالَى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلِ اللَّهُمَّ) : الْمِيمُ الْمُشَدَّدَةُ عِوَضٌ مِنْ يَاءٍ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَصْلُ يَا اللَّهُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ، وَهُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ، وَمَوْضِعُ بَيَانِ ضَعْفِهِ غَيْرُ هَذَا الْمَوْضِعِ. (مَالِكَ الْمُلْكِ) : هُوَ نِدَاءٌ ثَانٍ ; ; أَيْ يَا مَالِكَ الْمُلْكِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً عِنْدَ سِيبَوَيْهِ عَلَى الْمَوْضِعِ ; لِأَنَّ الْمِيمَ فِي آخِرِ الْمُنَادَى تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَأَجَازَ الْمُبَرِّدُ وَالزَّجَّاجُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً.
(تُؤْتِي الْمُلْكَ) : هُوَ وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْمَعْطُوفَاتِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ أَنْتَ. وَقِيلَ: هُوَ مُسْتَأْنَفٌ.
وَقِيلَ: الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْمُنَادَى ; وَانْتِصَابُ الْحَالِ عَلَى الْمُنَادَى مُخْتَلَفٌ
فِيهِ ; وَالتَّقْدِيرُ: مَنْ يَشَاءُ إِتْيَانُهُ إِيَّاهُ، وَمَنْ يَشَاءُ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ.
(بِيَدِكَ الْخَيْرُ) : مُسْتَأْنَفٌ.
وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْجُمَلِ.
قَالَ تَعَالَى: (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) : يُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) [الْبَقَرَةِ: ١٧٣]. (بِغَيْرِ حِسَابٍ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْمَفْعُولِ الْمَحْذُوفِ ; أَيْ تَرْزَقُ مَنْ تَشَاؤُهُ غَيْرَ مُحَاسِبٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ ; أَيْ تَشَاءُ غَيْرَ مُحَاسِبٍ لَهُ، أَوْ غَيْرَ مُضَيِّقٍ لَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ رِزْقًا غَيْرَ قَلِيلٍ.
قَالَ تَعَالَى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ) : هُوَ نَهْيٌ. وَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ فِيهِ الرَّفْعَ عَلَى الْخَبَرِ، وَالْمَعْنَى لَا يَبْتَغِي. (مِنْ دُونِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةً لِأَوْلِيَاءَ. (فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) : التَّقْدِيرُ: فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ دِينِ اللَّهِ، فَمِنَ اللَّهِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ ; لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ قُدِّمَتْ عَلَيْهَا.
(إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا) : هَذَا رُجُوعٌ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ، وَمَوْضِعُ أَنْ تَتَّقُوا نَصْبٌ ; لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ،
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي