وإذ قالت عطف على إذ قالت امرأة عمران الملائكة يعني جبرائيل عليه السلام شفاها يا مريم إن الله اصطفاك أي اختارك لنفسه بالتجليات الذاتية، الدائمية التي عبرها الصوفية بكمالات النبوة وهي بالأصالة للأنبياء عليهم السلام وبالتبعية والوراثة للصديقين وكانت هي صديقة قال الله تعالى : وأمه صدّيقة (١) وطهّرك عن الذنوب بالحفظ والمغفرة وعدم تطرق الشيطان إليها كما مر من حديث أبي هريرة برواية الشيخين، وقيل : طهرها من مسيس الرجال، وقيل : من الحيض واصطفاك أي فضلك على نساء العالمين أي عالمي زمانهم عن علي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة " (٢) متفق عليه، وفي رواية قال أبو كريب وأشار وكيع إلى السماء والأرض، وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون " (٣) رواه الترمذي، وعن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " (٤) متفق عليه. قلت : لعل معنى قوله صلى الله عليه وسلم لم يكمل من النساء من الأمم السابقة إلا مريم وآسية، يدل عليه قوله عليه السلام " وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " فإن هذه الجملة تدل على فضل عائشة على مريم وآسية، وفي الصحيحين من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين " (٥) وروى أبو داود والنسائي و الحاكم عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد " (٦) وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" نزل ملك من السماء فاستأذن الله أن يسلم علي فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة " (٧) فهذه الأحاديث تدل على أن فاطمة أفضل من مريم لأن نساء أهل الجنة عام لا يحتمل التخصيص بزمان دون زمان بخلاف قوله تعالى : واصطفاك على نساء العالمين فإنه يحتمل أن يكون المراد منه عالمي زمانها كما قلنا، لكن ورد فيما روى أبو يعلي وابن حبان والحاكم والطبراني عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم " وروى الترمذي عن أم سلمة عن فاطمة قالت أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم " أني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت بنت عمران " فهذين الحديثين يدلان على استثناء مريم من المفضولية ولا يدلان على كونها أفضل من فاطمة عليها السلام، وما في الصحيحين من حديث المسوّر بن مخرمة قوله صلى الله عليه وسلم :" فاطمة بضعة مني " (٨) وعند أحمد والترمذي والحاكم عن ابن الزبير نحوه يقتضي فضل فاطمة على جميع الرجال والنساء، كما قال مالك : لا نعدل ببضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا، لكن عند جمهور أهل السنة خص منه من علم فضلهم قطعا من الأنبياء وبعض الصديقين وبقي من سواهم في العموم والله أعلم.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: مناقب الأنصار، باب: تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها (٣٨١٥)..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها (٢٤٣٠).
أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب، باب: فضل خديجة رضي الله عنها (٣٨٨٧)..
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: الأطعمة، باب: الثريد (١٨٣٤) وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها (٢٤٣١)..
٥ أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام (٣٦٢٣) وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: فضائل فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم (٢٤٥٠)..
٦ ؟؟؟؟؟.
٧ أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب (٣٨٨١)..
٨ أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: مناقب فاطمة عليها السلام (٣٧٦٧) وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل فاطمة بنت النبي عليهما الصلاة والسلام (٢٤٤٩)..
التفسير المظهري
المظهري