قوله عز وجل : قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون
[ آل عمران : ٩٨ ]
٧٥٩- حدثنا زكريا، قال : حدثنا عمرو، قال : أخبرنا زياد، عن محمد بن إسحاق، قال : مر شاس بن قيس، وكان شيخا قد عسا١ عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم – على نفر من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم، وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم، من العداوة في الجاهلية، فقال : قد اجتمع ملأ بني قيلة ٢ بهذه البلاد، لا والله ! ما لنا معهم، إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار. فأمر فتى شابا معه من يهود، فقال : أعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم ذكرهم يوم بعاث٣ وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، وكان يوم بعاث يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج، فكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، ففعل. فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا، وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب : أوس بن قيظي، أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس، وجبار بن صخر أخو بني سلمة، من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم والله رددناها الآن جذعة٤، وغضب الفريقان جميعا وقالوا : قد فعلنا، السلاح، السلاح ! موعدكم الظاهرة – والظاهرة : الحرة – فخرجوا إليها، وانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض، على كلمة قالها، التي كانوا عليها في الجاهلية.
وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين، من أصحابه، حتى جاءهم فقال : يا معشر المسلمين : الله، الله ! بدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، بعد إذ هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر، وألف به بينكم، إلى ما كنتم عليه كفارا ! ؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم لهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكوا، وعانق الرجال بعضهم بعضا، من الأوس والخزرج، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم، سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس، وأنزل الله عز وجل في شأن شاس بن قيس وما صنع قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعلمون إلى قوله : وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون ٥. ٦
٢ - بنو قيلة. بطن من الأزد من كهلان، من القحطانية، وهم أبناء الأوس، والخزرج بن حارثة ابن ثعلبة. معجم قبائل العرب لعمر رضا كحالة (٣/٩٧٤)..
٣ - يوم بعاث: بالضم وآخره ثاء مثلثة: موضع في نواحي المدينة كانت به وقائع بين الأوس والخزرج في الجاهلية. معجم البلدان (١/٤٥١)..
٤ - أي: فتية من جديد..
٥ - الآية ٩٨ من هذه السورة..
٦ - أخرجه ابن جرير (٧/٥٥ رقم ٧٥٢٤) وابن أبي حاتم مختصرا (٣/٧١٦ رقم ٣٨٧٨)..
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر