قوله : في أدنى الأرض زعم بعضهم أن «أل » عوض من الضمير، وأن الأصل فِي أَدْنَى أرْضهم وهو قول كُوفي، وهذا على قول إن الهرب كان من جهة بلادهم، وأما من يقول : إنه من جهة بلاد العرب فلا يتأتى ذلك. وقرأ العامة «غُلِبَتْ » مبنياً للمفعول، وعلي بن أبي طالب وأبو سعيد الخُدْري وابن عمر وأهل الشام ببنائه للفاعل١.
قوله : وهم من بعد غلبهم أي الروم من بعد غلب فارس إِيَّاهم. والغَلَبُ. والغَلَبَةُ «لُغَتَانِ » فعلى القراءة الشهيرة يكون المصدر مضافاً لمفعوله. ثم هذا المفعول إما أن يكون مرفوع المحل على أن المصدر المضاف إليه مأخذ من مبني ( للمفعول٢ ) على خلاف في ذلك. وإما منصوب المحل على أن المصدر من مبني للفاعل، والفاعل محذوف تقديره : من بعد أن غلبهم عدوهم وهم فارس٣، وأما على القراءة الثانية فهو مضاف لفاعله.
قوله :«سَيَغْلِبُونَ » خبر المبتدأ، و مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ متعلق به، والعامة - بل نقل بعضهم الإجماع٤ - على سيغلبون مبنياً للفاعل، فعلى الشهيرة واضح أي من بعد أن غلبتهم فارس سيغلبون فارس، وأما على القراءة الثانية فأخبر أنهم سيغلبون ثانياً بعد أن غلبوا٥ أولاً، وروي عن ابن عمر أنه قرأ ببنائه للمفعول٦. وهذا مخالف لما ورد في سبب الآية، وما ورد في الأحاديث، وقد يلائم هذا بعض ملاءمة من قرأ «غَلَبَتْ » مبنياً للفاعل، وقد تقدم أن ابن عمر ممن قرأ ( بذلك٧ ). وقد خرج النحاس٨ قراءة عبد الله بن عُمَر على تخريج حسنٍ، وهو أن المعنى : وفارس من بعد غلبهم للروم٩ سيغلبون إلا أن فيه إضمار ما لم يذكر ولا جرى سبب ذكره١٠.
٢ سقطت من "ب"..
٣ قال أبو إسحاق الزجاج في كتابه إعراب القرآن ومعانيه: "الغلب والطلب مصدران تقول: غلبت غلباً وطلبت طلباً". انظر: معاني الزجاج ٤/١٧٧ وانظر: الكشاف ٣/٢١٤، والدر المصون ٤/٣١٢ والتبيان ١٠٣٦..
٤ هو ابن عطية قال: "وأجمع الناس على "سيغلبون" أنه بفتح الياء يراد به الروم" انظر: المحرر الوجيز "ميكروفيلم"..
٥ في "ب" تغلبوا..
٦ انظر: مختصر ابن خالويه ١١٦، وإعراب القرآن المنسوب للزجاج ٢/٤٦١، والدر المصون ٤/٣١٣، والقرطبي ١٤/٥، وإعراب القرآن للنحاس ٣/٢٦١ لكنه قال: "ستغلبون" بالبناء للمجهول من ناحية الخطاب..
٧ ساقط من "ب"..
٨ النحاس: هو أبو جعفر أحمد بن محمد المصري، تلقى مبادئ اللغة بمصر ثم ارتحل إلى العراق فتلقى عن الأخفش، والزجاج وابن الأنباري كان قويَّ الذاكرة جيد التصنيف، مات مقتولاً سنة ٣٣٧ هـ. انظر: نشأة النحو ١٥٧..
٩ لم أجد في كتاب أبي جعفر النحاس هذا التأويل والتخريج ولعل هذا راجع إلى اختلاف نسخ الكتاب وقد ذكر هذه القراءة الواردة عن ابن عمر..
١٠ انظر: إعراب القرآن المسمى "الدر المصون" في علوم الكتاب المكنون" للسمين ٤/٣١٣..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود