في أدنى الأرض أي : في أقرب أرض العرب ؛ لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم، أي : غلبوا في أدنى أرض العرب منهم، وهي أطراف الشام. أو أراد أرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه، أي : في أدنى أرضهم إلى عدوّهم. قال ابن عطية : قرأ الجمهور :" غُلبت " ؛ بضم الغين. وقالوا : معنى الآية : أنه بلغ أهل مكة أن الملك كسرى هزَم جيشَ الروم بأذرعاتِ، وهي أدنى أرض الروم إلى مكة، فسُر لذلك كفارُ قريش، فبشر المؤمنين بأن الروم سيغلبون. ه. وهذا معنى قوله : وهم أي : الروم من بعد غَلَبِهم ، وقرئ : بسكون اللام ؛ كالحلَب والحلْب، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي : وهم من بعد غلبة فارس إياهم سيَغْلِبون فارس، وتكون الدولة لهم.
وقال الورتجبي : قوله : غُلبت الروم.. الآية، إشارة إلى أن الأرواح، وإن كانت مغلوبة من النفوس الأمارة، والشياطين الكافرة ؛ امتحاناً من الله، وتربيةً لها بمباشرة القهريات، فإنها تغلب على النفوس، من حيث تخرج من مقام الاختيار. انظر تمامه. وقال القشيري : قوله تعالى : يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا : استغراقُهم في الاشتغال بالدنيا، وانهماكهم بما مَنَعهم عن العلم بالآخرة وقيمة كل امرئ عِلمُه ؛ كما في الأثر عن عليّ رضي الله عنه. قال :
فأهل الدنيا في غفلة عن الآخرة، والمشتغلون بعلم الآخرة، هم بوجودها، في غفلة عن الله. هـ. قلت : وأهل المعرفة بالله لم يشغلهم عنه دنيا ولا آخرة. والله تعالى أعلم. وَقِيمَةُ كُلِّ امْرِئ مَا كَانَ يُتْقِنُهُ والجاهلون لأهلِ العِلْمِ أعداءُ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي