قوله أدنى... ٣ ( الروم ) يعني : أقرب لأرض العرب، كما في إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى... ٤٢ ( الأنفال ) فالعدوة الدنيا أي : القريبة من المدينة، والقصوى البعيدة عنها. فالمعنى في أدنى الأرض... ٣ ( الروم ) أقرب أرض للجزيرة العربية.
وفي قوله سبحانه : وهم من بعد غلبهم سيغلبون٣ ( الروم )بشرى للمسلمين، فالفرس قوم كانوا يعبدون النار، أما الروم فأهل كتاب، إذن : فالخلاف بيننا وبين الفرس في القمة الإلهية، أما الخلاف بيننا وبين الروم ففي القمة الرسالية، فهم أقرب إلينا ؛ لأنهم يؤمنون بإلهنا، وإن كانوا لا يؤمنون برسولنا.
وهذا من عظمة الإسلام، فالذي يؤمن بالإله أقرب إلى نفوسنا من الذي لا يؤمن بالإله ؛ لأنه على الأقل موصول بالسماء ؛ لذلك لما غلبت الروم فرح كفار قريش وحزن المؤمنون، وفرح كفار قريش لأن في هزيمة الروم دليلا على أن محمدا وأصحابه سينهزمون كأصحابهم.
وكلمة غلبهم... ٣ ( الروم ) مصدر يضاف للفاعل مرة، ويضاف للمفعول مرة أخرى، تقول : أعجبني ضرب الأمير مذنبا، فأضفت المصدر للفاعل. وتقول : أعجبني ضرب المذنب فأضفت المصدر للمفعول، وكذلك هنا غلبهم... ٣ ( الروم ) مصدر أضيف إلى المفعول.
لكن لماذا قال سبحانه : سيغلبون ٣ ( الروم ) وجاء بالسين الدالة على الاستقبال، ثم قال بعدها في بضع سنين٤ ( الروم ) وهي أيضا دالة على الاستقبال ؟ قالوا : لأن الغلبة لا تأتي فجأة، إنما لا بد لها من إعداد طويل وأخذ بأسباب النصر، وتجهيز القوة اللازمة له، فكأنهم في مدة البضع سنين يعدون للنصر، فكلما أعدوا عدة أخذوا جزءا من النصر، فالنصر إذن لا يأتي في بضع سنين، إنما من عمل دائم على مدى بضع سنين.
فهتلر مثلا لما انهزم في الحرب العالمية، وتألبت عليه كل الدول، جاء في عام ١٩٣٩ وهدد العالم كله بالحرب، فهل سقطت عليه القوة يهدد بها فجأة ؟ لا، بل ظل عدة سنوات يعد العدة ويجهز الجيش والأسلحة والطرق إلى أن توفرت له القوة التي يهدد بها.
تفسير الشعراوي
الشعراوي