يبسط: يُوسِّع، ويقدِر: يعني يُضيِّق.
يعني: ألم يروا هذه المسألة، فواحد يُوسِّع الله عليه الرزق، وآخر يُضيِّق عليه، وربما صاحب السعة لم يتعب فيها، إنما جاءته من ميراث أو خلافة، وصاحب الضيق يكدّ ويتعب، ومع ذلك فعيشته كفاف، لذلك استقبل الفلاسفة هذه المسألة بما في ضمائرهم من إيمان أو إلحاد، فهذا ابن الراوندي الملحد يقول:
| كَمْ عَالمٍ أعْيَتْ مَذَاهِبه | وجَاهلٍ جَاهلٍ تَلْقَاهُ مرْزُوقا |
| هَذَا الذِي تركَ الأوهامَ حَائرةً | وَصيَّر العَالِم النَّحْرير زِنْدِيقا |
| كَمْ عَالمٍ قَدْ باتَ في عُسْرٍ | وجَاهلٍ جاهلٍ قَدْ باتَ في يُسْر |
| تحيَّر الناسُ في هَذا فقُلْتُ لهم | هَذا الذي أوجبَ الإيمان بالقدرِ |
إذن: لا بُدَّ أن في هذه حكمة، وفي تلك حكمة أخرى، ولو تتبعتَ عواقب السعة هنا والتضييق هناك لتراءتْ لك الحكمة. صفحة رقم 11446
ألا ترى صاحب سعة ورزق ونعم كثيرة، ومع ذلك لم يستطع تربية أولاده؛ لأن مظاهر الترف جرفتهم إلى الانحراف، ففشلوا في حياتهم العملية، وفي المقابل نرى الفقير الذي يعيش على الكفاف يتفوق أولاده، ويأخذون أعلى المراتب؟ إذن: يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ.... [الروم: ٣٧] وفق حكمة يعلمها سبحانه وتعالى.
وسبق أن ذكرنا أن في ألمانيا مدرستين فلسفيتين في الإلحاد، إحداهما لواحد اسمه (جيبل)، والأخرى ل (بختر) أحدهما: ينكر أن يكون للعالم إله، يقول: لو كان للعالم إله حكيم ما خلق الأعمى والأعرج والأعور.. الخ فالحكمة في الخَلْق تقتضي المساواة، فأخذ من الشذوذ في الخَلْق دليلاً على إلحاده.
أما الآخر فقال: ليس للكون إله، إنما يسير سَيْراً ميكانيكياً رتيباً، ولو كان فيه إله لكان يخلق الخَلْق على صور مختلفة، وتكون له إرادة مطلقة عن الميكانيكا، فأخذ ثبات النظام دليلاً على إلحاده ليناقض مذهب سابقه.
إذن: المسألة عندهم رغبة في الإلحاد بأيِّ شكل، وعلى أية صورة، واستخدام منهج مُعْوج يخدم القضية التي يسعون إلى إثباتها.
ونقول في الرد على الأول الذي اتخذ من الشذوذ في الكون دليلاً على عدم وجود إله حكيم: الشذوذ الذي ذكرتَ شذوذ في الأفراد الذين يُعوض بعضهم عن بعض، فواحد أعمى، وآخر أعور يقابلهم ملايين المبصرين، فوجود هذه النسبة الضئيلة لا تفسد القاعدة العامة في الخَلْق، ولا تؤثر على حركة البشر في الكون فالصحيح يعوض غير الصحيح.
أما النظام الثابت الذي يريده الثاني فعليه أن ينظر إلى الملأ الأعلى، وفي الكون الأعلى من شمس وقمر ونجوم.
. الخ فسيرى فيه نظاماً ثابتاً لا يتغير، لأن الشذوذ في هذه المخلوقات يفسد الكون كله؛ لذلك خلقه الله على هيئة الثبات وعدم الشذوذ.
إذن: في النظام العام للكون نجد الثبات، وفي الأفراد الذين يغني الواحد منهم عن الآخر نجد الشذوذ والاختلاف، فالثبات يثبت حكمة القدرة، والشذوذ يثبت طلاقة القدرة.
فيا مَنْ تريد ثبات النظام دليلاً على الإيمان، فالثبات موجود، ويا مَنْ تريد شذوذ النظام دليلاً على الإيمان، فالشذوذ موجود، فما عليككما إلا أن تتفقا وأن ينفتح كل منكما على الآخر لتصلا إلى الصواب.
ومسألة الرزق لها فلسفة في الإسلام، فالحق سبحانه أخبرنا بأنه الرزَّاق، فمرة يرزق بالأسباب، ومرة يرزق بلا أسباب، لكن إياك أنْ تغتر بالأسباب، فقد تقدم الأسباب وتسعى ثم لا يأتيك منها رزق، ويخيب سَعْيك كالفلاح الذي يأخذ بالأسباب حتى يقارب الزرع على الاستواء فتأتيه جائحة فتهلكه، فاحذر أن تغتر بالأسباب، وانظر إلى المسبِّب سبحانه.
وقلنا: ينبغي أنْ تتحرى إلى الرزق أسبابه ولا تشغلنّ بعدها بالك بأمره، فقد تكفل به خالقك الذي استدعاك للوجود، وقد عبَّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله:
| تَحَرَّ إلى الرزْقِ أَسْبابَهُ | ولاَ تشغلنْ بعدَهَا بَالَكا |
| فَإنَّك تجهلُ عنوانه | ورِزْقُكَ يعرِفُ عُنْوانَكا |