ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜ

ثم يقول الحق سبحانه :
وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون ٦
الوعد : هو الإخبار بما يسر قبل أن يكون لا يخلف الله وعده... ٦ ( الروم ) وفرق بين وعد الله ووعد الناس ؛ لأنك قد تعد إنسانا بخير، وتحول الأسباب بينك وبين إنفاذ ما وعدت به، كأن يتغير رأيك أو تضعف إمكاناتك، أو يتغير السبب الذي كنت ستفعل من أجله.
إذن : أنت لا تملك عناصر الوفاء وأسبابه، أما وعد الحق سبحانه وتعالى فوعد محقق، حيث لا توجد قوة تخرجه عما وعد، وهو سبحانه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فما دام الوعد وعد الله فثق أنه محقق.
لذلك يعلمنا الحق سبحانه : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا ٢٣ إلا أن يشاء الله... ٢٤ ( الكهف ) والمعنى : اجعل لنفسك مخرجا من الكذب إن حالت الأسباب بينك وبين ما وعدت به، بأن تجعل أمرك تحت مشيئة ربك، لا مشيتك، لأنك لا تملك من عناصر إتمام الفعل شيئا.
إذن : أدرك نفسك، وقل إن شاء الله، حتى إذا حالت الأسباب بينك وبين ما أدرت قلت : شئت، ولكن الله تعالى لم يشأ.
والله تعالى لا يخلف وعده ؛ لأنه سبحانه يعلم الأشياء على وفق ما تكون، ولا توجد قوة تحوله عن مراده، وليس له شريك يراجعه، أو يخرجه عن مراده.
وإن شئت فاقرأ : تبت يدا أبي لهب وتب١ ما أغنى عنه ماله وما كسب٢ سيصلى نارا ذات لهب٣ وامرأته حمالة الحطب٤ في جيدها حبل من مسد٥ ( المسد )
ألم يكن من الممكن وقتها أن يسلم أبو لهب كما أسلم حمزة وعمر وخالد وعكرمة وغيرهم ؟ أليست له حرية الاختيار كهؤلاء ؟ بل ألم يسمع هذه السورة ؟ ومع هذا كله كفر وأصر على كفره، ولم ينطق بكلمة الإيمان، ولو حتى للكيد لرسول الله فيقول في نادى قريش ولو نفاقا : قال محمدا كذا وأنا أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. أليس هذا دليلا على غبائه ؟
إذن : ما دام أن القرآن أخبر فلا بد أن يتم الأمر على وفق ما أخبر به.
ونلحظ هنا أن كلمة الوعد تعني البشارة بالخير القادم في المستقبل والكلام هنا عن فريقين : فريق منتصر يفرح بالنصر، وفريق منهزم يحزن للهزيمة، فكيف يستقيم الوعد من حقه ؟ فالفرح للمؤمن غم لغير المؤمن.
ولتوضيح هذه المسألة نذكر أن المستشرقين وقفوا عند قوله تعالى من سورة الرحمن : خلق الإنسان من صلصال كالفخار١٤ وخلق الجان من مارج من نار١٥ فبأي آلاء ربكما تكذبان١٦ ( الرحمن )
وقالوا : هذا الكلام معقول بالخلق من نعم الله، لكن ماذا عن قوله : يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران٣٥ فبأي آلاء ربكما تكذبان٣٦ ( الرحمن ) فأي نعمة في النار وفي الشواظ(١) ؟
وفات هؤلاء أنه من النعمة أن ننبهك إلى الخطر قبل أن تقع فيه، ونحذرك من عاقبة الكفر لتنتهي عنه كالوالد الذي يقول لولده : إن أهملت دروسك ستفشل، وساعتها سأفعل بك كذا وكذا.
إذن : فذكر النار والعذاب نعمة لكل من خالف منهج الحق، فلعله حين يسمع الإنذار يعود ويرعوى.
وقوله تعالى : ولكن أكثر الناس لا يعلمون٦ ( الروم ) نفي عنهم العلم أي : ببواطن الأمور وحقيقتها.

١ الشواظ: القطعة من اللهب ليس فيها دخان.(القاموس القويم١/٣٦١)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير