قلت : هُدىً ورحمةً : حالان من الآيات، والعامل : معنى الإشارة. ورفعهما حمزة على الخبر لتلك بعد حبر، أو : خبر عن محذوف، أي : هو، أو : هي هُدى. والموصول : نعت للمحسنين ؛ تفسير لإحسانهم.
حال كونه هُدىً ورحمةً ؛ هادياً لظواهرهم بتبيين الشرائع، ورحمة لقلوبهم بتبين حقائق الإيمان، ولأرواحهم بإظهار حقائق الإحسان. وقد تقدم هذا البيان في قوله :
إِذَا مَا اتَّقَواْ وَآمَنُواْ [ المائدة : ٩٣ ] الآية. ولذلك خصه بقوله : للمحسنين ، فإنما يكون هدى ورحمة لأهل الإحسان ؛ لأنهم هم الذين يغوصون على أسراره ومعانيه.
ثم وصف كتابه بأنه هاد للسائرين، رحمة للواصلين ؛ إذ لا تكمل الرحمة إلا بشهود الحبيب، يكلمك ويناجيك، وهذه حالة أهل مقام الإحسان. قال القشيري : وشَرْطُ المحْسِنِ أن يكون محسناً إلى عباد الله : دانيهم وقاصيهم، مطيعِهم وعاصيهم. ثم قال : الذين يُقيمون الصلاة ؛ يأتون بشرائطها في الظاهر - ثم ذكرها -، وفي الباطن يأتون بشروطها ؛ من طهارة السَّرَّ عن العلائق، وسَتْرِ عورة الباطن، بتنقيته من العيوب ؛ لأن ما كان فيه فالله يراه. فإذا أرَدْتَ أن لا يرى اللهُ عيوبَك فاحْذَرْها حتى لا تكون. والوقوف على مكان طاهر : هو وقوف القلب على الحدِّ الذي أُذن فيه، مما لا يكون فيه دعوى بلا تحقيق، بل رَحِمَ الله مَن وقف عند حدِّه بالمعرفة بالوقت، فيعلم وقت التذلُّل والاستكانة، ويميز بينه وبين وقت السرور والبسط، ويستقبل القبلة بَنْفسِه، ويعلق قلبه بالله، من غير تخصيص بقطْرِِ أو مكان أولئك على هدى من ربهم ؛ وهم الذين اهتدوا في الدنيا، وسَلِموا ونَجوْا في العُقْبَى. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي