الماء العذاب والملح نحو العيون.
وقال المبرد: قوله: وَمِن كُلٍّ يراد به الملحق خاصة كما قال تعالى: جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ [القصص: ٧٣]، وكما تقول: لو رأيت الحسن والحجاج لرأيت خيراً كثيراً تريد به الحسن خاصة.
والمعنى على قول المبرد: ومن كل الملح تستخرجون.
ثم قال تعالى: وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ.
قال قتادة: تجري مقبلة ومدبرة. يقال: مخَرَتِ السفينة مَخْراً إذا خرقت الماء.
قال ابن عباس: " مواخر " جواري، يعني في الملح خاصة، فلذلك قال " فيه ".
والفُلْكُ جمع فَلَك كأسَدٍ وأُسُدٍ، وَوَثَنٍ وَوُثْنٍ.
ثم قال تعالى: لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ أي: في السفن يطلبون الرزق بالأسفار فيها.
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: تشكرون على تسخيره إياها لكم وعلى غير ذلك.
قوله تعالى ذكره: يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار إلى قوله: إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ.
أي: يزيد من الليل في النهار، ومن النهر في الليل. وأصل الإيلاج الدخول. فالمعنى يدخل مِنْ هذا في هذا، وَمِنْ هذا في هذا.
قال ابن عباس: هو انتقاص أحدهما من الآخر.
ثم قال: وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى أي: سخرهما في الجري نعمة منه وفضلاً لتعلموا عدد السنين/ والحساب، والليل من النهار، يجريان لوقت معلوم لا يتقدمانه ولا يتأخران عنه.
قال قتادة: لا يقصر دونه ولا يتعداه.
وقيل: الأجل المسمى هنا: القيامة.
ثم قال: ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ أي: الذي يفعل هذه الأفعال هو الله معبودكم الذي لا تصلح العبادة إلاّ له.
ثم قال: لَهُ الملك أي: له الملك التام، كل ما في سلطانه وملكه يفعل ما يشاء.
ثم قال: والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ أي: الأوثان والأصنام التي تعبدون من دون الله لا تملك شيئاً من ذلك ولا مقدار قطمير فما فوقه، وهي القشرة الرقيقة التي على النواة.
وقال ابن عباس: قَطمير هو الجلد الذي يكون على ظهر النواة.
وقال مجاهد: لفافة النواة كسحاة البيضة.
وقال قتادة: هو الذي على رأس النواة.
وقال جرير عن بعض رجاله: هو القمع الذي على رأس الثمرة ثم ق ل: إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ يعني الأصنام لأنها جمادات لا روح لها.
ثم قال: وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ أي: لو كان لها روح فسمعت لم تستجب، إذ هي ليست ممن ينطبق وليس كل ما سمع ينطق. فكيف تعبدون من هذه حالة وتتركون عيادة من خلقكم وأنعم عليكم بتسخير الليل والنهار والشمس والقمر وغير ذلك من نعمه.
قال قتادة: وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ أي: ما قبلوا ذلك عنكم ولا نفعوكم فيه.
ثم قال: وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ أي: تتبرأ آلهتكم التي كنتم تعبدون في الدنيا من أن تكون لله شركاء.
قال قتادة: معناه يكفرون بشرككم إياهم، ولا يرضون به ولا يقرّون به. وهو
قوله: مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ [يونس: ٢٨].
ثم قال: وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ فالله جلّ ذكره هو الخبير أن هذا سيكومن في القيامة.
ثم قال: يا أيها الناس أَنتُمُ الفقرآء إِلَى الله والله هُوَ الغني الحميد أي: أنتم ذووا الحاجة إلى الله فإياه فاعبدوه، والله هو الغني عن عبادتكم إياه وعن غير ذلك، (المحمد) على نعمه فله الحمد والشكر بكل حال.
إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أي: يهلككم لأنه أنشأكم من غير حاجة به إليكم. وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ أي: بخلق سواكم يطيعونه.
وَمَا ذَلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ أي: وما ذهابكم والإتيان بخلق جديد بعزيز على الله، أي شديد عليه، بل ذلك هيّن سهل.
ثم قال تعالى: وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى أي: لا تحمل نفس حاملة حِمْلَ نفس أخرى، يعني من الذنوب والآثام.
روي أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي، قال لمن أسلم من بني مخوم: ارجعوا إلى دينكم القديم وأنا أحمل عنكم أوزاركم. وفيه نزلت:
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ موسى * وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى * أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى [النجم: ٣٦ - ٣٨].
ثم هذا كله عام في من ادّعى أن يحمل ذنب غيره لا يجوز له شيء من ذلك ولا ينتفع به المحمول عنه.
ثم قال: وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ أي: إن تدع نفس مثقلة بالأوزار والذنوب إلى أن يحمل غيرها عنها من ذلك شيئاً، لا يحمل أحد عنها من ذلك شيئاً، ولو كان المدعو ذا قرابة من الداعي.
قال بن عباس: لا يؤخذ أحد بذنب أحد.
قال عكرمة: بلغني أن اليهودي والنصراني يرى الرجل يوم القيامة فيقول: [" ألم أكن قد أسديت إليك يداً؟]، ألم أكن قد أحسنت إليكم؟، فيقول: بلى، فيقول: انفعني، فلا يزال المسلم حتى ينقص من عذابه، وإن الرجل ليأتي إلى أبيه يوم القيامة فيقول: ألم أكن بك باراً وعليك مشفقاً وإليك محسناً؟ وأنت ترى ما أنا فيه، فهب لي حسنة من حسناتك أو تحمّل عني سيئة، فيقول: إن الذي سألتني ليسير ولكني أخاف مثل ما تخاف، وإن الأب ليقول لابنه مثل ذلك، فيرد عليه نحواً من هذا، وإن الرجل ليقول لزوجته: ألم أكن حسن العشرة لك؟ فتحمّلي عني خطيئة لعلي ألْحق، فتقول: إن ذلك ليسير ولكني أخاف مما تخاف منه، ثم تلا عكرمة: وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا الآية. وهذا القول أيضاً هو قول مجاهد وقتادة.
ثم قال تعالى: إِنَّمَا تُنذِرُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بالغيب أي: إنما تنذر يا محمد الذين
يخافون/ عقاب الله يوم القيامة من غير معاينة منهم لذلك، لكن آمنوا بما جئتهم به من الخير بذلك عن الله وصدقوا به.
قال قتادة: معناه يخشون النار والحساب، وإنما خصّ هؤلاء بلإنزار، وإن كان ﷺ نذيراً لجميع الخلق لأنهم هم الذين ينتفعون بذلك.
ثم قال تعالى: وَأَقَامُواْ الصلاة أي: أدوا فروضها في أوقاتها بحدودها.
ثم قال: وَمَن تزكى فَإِنَّمَا يتزكى لِنَفْسِهِ أي: ومن تطهر من دنس الكفر والمعاصي بالتوبة إلى الله، فإنما يتطهر لنفسه، أي على نفسه يعود نفع تزكيته لأنه يكسبها رضى الله جلّ ذكره والفوز بالنجاة من النار والحلول بالجنة.
قال قتادة: ومن يعمل صالحاً فإنما يعمل لنفسه، فهو مثل قوله: مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا
[فصلت: ٤٦].
ثم قال: وَإِلَى الله المصير أي: رجوع كل عامل عملاً إلى الله تعالى فيجازيه عليه.
ثم قال تعالى ذكره: وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير أي: الكافر والمؤمن.
أي: وَلاَ الظلمات وَلاَ النور الكفر والإيمان.
وَلاَ الظل وَلاَ الحرور. أي: الجنة والنار.
قال الأخفش: لا زائدة في " ولا النور " و " لا الحرور ".
وقيل: إن " لا " لها فائدة في دخولها مع الواو خلاف خروجها وذلك أنها تدل على أن كل واحد من الاثنين لا يتساويان، فإذا قلت لا يستوي الأعمى ولا البصير، فمعناه لا يساوي الأعمى البصير ولا البصير الأعمى.
وإذا قلت [لا يستوي الأعمى والبصير، فمعنها لا يساوي الأعمى البصير].
وليس فيه دلالة على أن البصير لا يساوي الأعمى، وهذا القول فيه دخَلٌ. لأن من لم تساوه لم يساوك، فدخول لا مثل خروجها.
قيل: معنى الآية: لا يستوي الأعمى عن دين الله الكافر به، والبصير في دين الله المتبع له، ولا ظلمات الكفور ونور الإسلام.
وقال ابن عباس: الظل الجنة، والحرور: النار، والظلمات: الضلالة، والنور: الهدى.
وقيل: الظل ضد الحر، والحرور الحر الدائم، والسموم لا يكون إلاّ بالنهار،
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي