تابع المرسل والرسول والرسالة والمرسل إليهم :
" والقرآن الحكيم.
إنك لمن المرسلين.
على صراط مستقيم.
تنزيل العزيز الرحيم.
لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ".
( سورة يس – الآيات : ٢، ٣، ٤، ٥، ٦ )
المفردات :
( الحكيم ) : هو الموصوف بالحكمة، وأصل اللفظ من حكم بمعنى أمسك، فالحكمة هي العلم الصحيح الذي يمسك صاحبه عن الجهالات والضلالات والسفالات ؛ فيكون ذا إدراك للحقائق قويم وخلق كريم، وعمل مستقيم لا يحكم إلا عن تفكير، ولا يقول إلا عن علم، و لا يفعل إلا على بصيرة ؛ فإذا نظر أصاب، وإذا فعل أصاب، وإذا نطق أتى بفصل الخطاب.
ووصف القرآن بالحكيم، لأنه هو العلم الصحيح المثمر لهذا كله.
( والصراط المستقيم ) : هو دين الإسلام الذي جاء به جميع المرسلين قبل النبي- صلى الله عليه وآله وسلم –
( تنزيل ) : بمعنى منزل، وهو الصراط المستقيم.
( العزيز ) : الغالب الممنع الذي لا نظير له.
( الرحيم ) : المنعم الدائم الإنعام والإحسان.
( الإنذار ) : الإعلام بوقوع ما يخاف منه، وهو الهلاك والعذاب العاجل والآجل.
( والغافل ) : عن الشيء التارك له المعرض عنه مع حضوره لديه لاشتغال باله بسواه.
المعنى :
أقسم الله تعالى – بالقرآن الحكيم على أن محمدا - صلى الله عليه وآله وسلم – من المرسلين١ردا على من قالوا :" لست مرسلا "، في حال أنه على دين الإسلام الذي بعثه الله، ثابتا عليه في عقده وقوله وفعله وجميع أمره.
وأخبر تعالى أن هذا الإسلام الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وآله وسلم – نزله عليه القوي الغالب الذي لا يغالب، العديم الشبه والنظير، والمنعم الدائم الإنعام المستمر الإحسان.
وبين تعالى : أنه كان من المرسلين لينذر الأمة العربية، ويعلمها سوء عاقبة ما هي عليه من الشرك والضلال.
تلك الأمة التي ما أنذر آباؤها، فهي مشتغلة بما توارثته من آبائها من عبادة الأوثان وارتكاب الإثم والعدوان، وأنواع الضلال والخسران. معرضة عن توحيد خالق الأرض والسموات، وعن النظر فيما نصب للدلالة عليه من الآيات، طال عليها أمد الجهالة، واستولت عليها أسباب الضلالة، فتمكنت منها الغفلة التمكن التام ؛ فذهبت في أوديتها البعيدة المدى، كالأنعام أو أضل من الأنعام.
أصل المعرفة والسلوك من هذه الآية الكريمة :
خلق الله الخلق حنفاء موحدين٢، فأتتهم الشياطين فأضلتهم عن سواء السبيل، فمن رحمته – تعالى – بهم أن أرسل إليهم رجالا منهم لهدايتهم، وأنزل عليهم كتبا منه لدلالتهم.
فالله هو المرسل، وتلك الكتب هي رسائله، وأولئك الرجال هم رسله، والخلق هم المرسل إليهم.
المعرفة :
كمال المرسل :
فللمرسل العلو والكمال، وله الخلق والأمر، ومنه الرحمة والعدل والإحسان والفضل، وله الربوبية والألوهية دون شريك ولا مثال.
عظمة الرسائل :
و في تلك الرسائل الحق والحكمة، والنور المخرج من كل ظلمة، والفرقان في كل شبهة، والفصل في كل خصومة، بها تفتح البصائر، وتطهر الضمائر، وتعرف طريق الحق والهدى من طرائق الباطل والضلال.
كمال الرسل :
ولأولئك الرسل – عليهم الصلاة والسلام – أكمل ما يمكن للإنسان من كمال، وأكمل المعرفة بالمرسل – تعالى – وأعظم الخشية له، وأكمل الرحمة بالخلق، وأشد الشفقة عليهم، وأكمل العلم بما جاءوا به، وأعظم التمسك به، وأكثر الأتباع له.
فلا كمال إلا بالإقتداء بهم، و لا نجاة إلا باتباعهم، ولا وصول إلى الله تعالى إلا باقتفاء آثارهم.
واجب المرسل إليهم :
وللمرسل إليهم عجز المخلوق وضعفه أمام خالقه، وحاجته وافتقاره إليه، وعليه حق عبادته وطاعته والرجاء لفضله، والخوف من عقابه والفكر في آياته ومخلوقاته، والنهوض للعمل في مرضاته، واستثمار أنواع نعائمه، والشكر له على جميع آلائه.
فبمعرفة هذه الأربعة حق معرفتها، ومعرفة مقام كل واحد منها وما له فيه – كمال الإنسان العلمي، الذي هو أصل كماله العملي، والشرط اللازم فيه.
وقد اشتملت هذه الآيات على هذه الأربعة في حق الأمة المحمدية :
إعجاز الآيات :
فالمرسل هو :" العزيز الرحيم ".
والرسالة هي :" القرآن الحكيم ".
والرسول هو محمد - صلى الله عليه وآله وسلم – المخاطب ب :" إنك لمن المرسلين ".
والمرسل إليهم هم العرب الذين :" ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ".
تمهيد :
لما ضل الخلق عن طريق الحق والكمال، الذي يوصلهم إليه : إلى مرضاته والفوز بما لديه، أرسل إليهم الرسل ليعرفوهم بأن ذلك الطريق هو الإسلام، و يكونوا أدلتهم في السير، وقادتهم إلى الغاية، وأنزل عليهم الكتب لينيروا لهم بها الطريق، ويقودوهم على بصيرة، ويتركوهم على البيضاء٣ ليلها كنهارها، لا يهلك عليها إلا من ظلم نفيه فحاد عن السواء، أو تخلف عن القافلة فكان من الهالكين.
فالقافلة هم الخلق، والطريق هو الإسلام، والأدلة هم الرسل. والمصابيح هي الكتب والغاية هو الله جل جلاله.
السلوك :
فعلى من يريد النجاة من المهالك، والفوز بأسمى المطالب، وأعلى المراتب – أن ينضم إلى القافلة الربانية، يتعاون مع أفرادها، ويقوم بحق الرفقة فيها، ويعد نفسه جزءا منها : لا سلامة لها إلا بسلامتها، فهو يحب لكل واحد منها ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها، و يهديه إلى ما يهديها إليه من خير ؛ و يقيه مما يقيها منه من سوء.
وأن يطيع أولئك الأدلة، و يقتفي آثارهم، وينزل بنزولهم، ويرتحل بارتحالهم، وأن يرجع في معرفة وجوه السير وأصنافه وأوقاته ومنازله إليهم، دون أدنى اعتراض و لا مخالفة.
و يقابل ما يتحملونهم من مشاق الدلالة ومتاعب القيادة بغاية ما يستطيع من الأدب معهم، والتعظيم والانقياد لهم، والمحبة فيهم، وحسن الثناء عليهم، و طلب عظيم الجزاء من الله تعالى لهم على عظيم إحسانهم.
وأن يلتزم ذلك الطريق، ويسير في سوائه غير مائل إلى جنباته، ولا ذاهب في بنياته٤.
لا مفرطا في السير يسبق الرفقة فينفرد بلا دليل. ولا مفرطا فيه فيختلف عنها بلا معين، نمطا وسطا مع الجماعة لا من الغلاة، و لا من المقصرين.
وأن يستنير بما رفعه أولئك الأدلة من مصابيح الهداية، وأن يسير تحت أنوارها الساطعة، مفتح البصر للاستضاءة بها، غير مغلق الأجفان عنها، متعرفا بها اديم الأرض، وموقع قدمه منها.
وأن يعرف عظيم الغاية التي هو سائر إليها، فيقصر همه كله في الوصول إليها، ويحضرها قلبه في كل لحظات سيره ليسرع مع الرفعة إليها، وتخف عليها مشاق الطريق وأتعابها، ويعذب لديه كل ألم في الانتهاء إليها.
فبسلوك هذا الطريق القويم، بدلالة الرسول الكريم، وأنوار الكتاب المبين، إلى رب العالمين الرحمن الرحيم – كمال الإنسان العملي المبني على الكمال العلمي.
وقد اشتملت هذه الآيات على ذكر السالكين، وهم المنذرون، وعلى الدليل وهو الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم – وعلى الطريق وهو " الصراط المستقيم " المنزل من الله.
وعلى ما يبين الطريق : ، وهو القرآن الحكيم.
الحكمة في هذه الآيات :
قال ابن وهب : سمعت مالك – رضي الله عنه – يقول :
" الحكمة الفقه في دين الله والعمل به ". ففي الفقه في دين الله الكمال العلمي، وفي العمل به الكمال العملي.
وهذه الآيات – على إيجازها قد اشتملت على أصول ما به كمال الإنسان العلمي، وكماله العملي، اللذان بهما كماله الروحي والبدني، ونعيمه الدنيوي والأخروي.
وما كماله العلمي وكماله العملي إلا بالمعرفة الصحيحة، والسلوك المستقيم، وهما اللذان تقدم الفصل السابق بيانهما.
وفسر مالك الحكمة بهما ؛ إذ الفقه في دين الله هو المعرفة الصحيحة، والعمل به هو السلوك المستقيم، وهما الحكمة التي وصف به في اظلاية الأولى القرآن العظيم ؛ لأنه كتاب العلم والعمل اللذين لا يكون بدونهما حكيم.
فكما اشتملت هذه الآيات على أصول الحكمة، دلت على أصلها ومأخذها، وما يكون الإنسان بعلمه والعمل بما فيه من أهلها، وهو القرآن الحكيم.
توجيه القسم في الآيات :
أقسم الله بالقرآن الحكيم على أن محمدا - صلى الله عليه وآله وسلم – من المرسلين، لينذر الغافلين حال انه على صراط عظيم مستقيم، منزل من العزيز الرحيم ؛ لأن القرآن هو كتاب محمد - صلى الله عليه وآله وسلم – الذي كان يتخلق به، ويهتدي بما فيه، وينذر به، ويدعو إليه ويبينه للناس بقوله وفعله، وهو برهانه وحجته، وآيته ومعجزته.
من فضائل القرآن :
كما أنه كتاب الإسلام الذي هو الصراط المستقيم.
فيه حجته و دلائله، فيه أحكامه وحكمه، فيه آدابه وشمائله.
فيه بيان حقيقته وما هو منه، و نفي ما ليس منه عنه.
فيه بيان تاريخه وتاريخ الإنسانية معه.
فيه ذكر أوليائه وحسن بلائهم في سبيله، وحسن أثره فيهم، والعود بالعاقبة المحمودة عليهم. وذكر أعدائه و جهدهم في مقاومته، وسقوط شبههم أمام حجته، وذهاب باطلهم أمام حقه، وشدة أخذه لهم على ظلمهم، ونزول نقمته بهم، وحلول دائرة السوء عليهم.
فيه الإسلام٥كله، فمن طلبه فيه وجده ونجا به ؛ ومن طلبه في غيره ضل وكان من الهالكين.
عقائد وأدلتها من هذه الآيات :
العقيدة الأولى : محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله :
دليلها الأول :
القرآن الحكيم الذي جاء به رجل أمي، ما قرأ و لا كتب، ولا دارس العلماء، ولا عرف الكتب.
ودليلها الثاني :
موافقة دعوته - صلى الله عليه وآله وسلم – لدعوة المرسلين – صلوات الله عليهم – إلى عبادة الله وحده، وتصديق ما جاءهم به من عنده، دون أن يسألهم على ذلك أجرا، وهذا من قوله تعالى :" إنك لمن المرسلين ".
فهو من المرسلين من جهة إرساله ؛ لأنه منهم في أقواله وأفعاله نظير قوله تعالى :" قل ما كنت بدعا من الرسل٦ " و قوله :" بل جاء بالحق وصدق المرسلين " ٧. وقوله :" إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده " ٨.
ودليلها الثالث :
هذا الدين الكامل الجامع، الذي هدى به النوع الإنساني، أفرادا وجماعات إلى ما فيه سعادته، فأطلق فكره، وسدد نظره، وقوم عقائده، وهذب أخلاقه، ونظم اجتماعه، ووضع له قواعد الحياة والعمران على العدل والإحسان، ووجههم إلى خالقهم، وما أعد لهم عنده من النعيم المقيم والرضوان التام.
ودليلها الرابع :
سلوكه هو في حياته على الصراط المستقيم، من يوم عرف الدنيا حتى فارقها ؛ فكان يمثله على أكمل وجه، ولا يخل بشيء منه، ثابتا عليه، لا يحيد قيد شعرة عنه، دون أن تحفظ عنه زلة، ولا تعرف منه في القيام به والدعوة إليه فترة٩، و لا تقف أمامه قوة، ولا ترد له حادثة عزمه، ولا تحمله على هوادة فيه رغبة ولا رهبة، ولا تبدل حاله رخاء و لا شدة١٠.
فكان في كرم خلقه، وتماما زهده، وعظيم تأهله١١ وتوجهه لربه، بعد ما فتح الله له الفتح المبين، ودخل الناس أفواجا في الدين.
كما كان أيام كان وحيدا بين أعظم أعدائه من المشركين، وما هذا من شأن البشر وطبعهم١٢ لولا عصمة وتأييد رب العالمين.
العقيدة الثانية : القرآن كلام الله ووحيه :
آيات كونية دل عليها الكتاب :
ودليلها :
أنه حكيم، فما فيه من العلم وأصول العمل، لا يمكن أن يكون إلا عند الله، في عقائده ودلائلها وأحكامه وحكمها وآدابه وفوائدها.
إلى ما فيه من حقائق كونية، كانت مجهول
٢ فما من مولود إلا ويولد على الفطرة..
٣ الملة الحنيفية..
٤ بنيات الطريق جمع بنية تصغير بنت هي ما يخرج من نواحيه من طرق صغيرة تضل السائر عن السير..
٥ " ما فرطنا في الكتاب من شيء"..
٦ سورة الاحقاف. الآية – ٩..
٧ سورة الصافات. الآية – ٣٧..
٨ سورة النساء – الآية ١٦٣..
٩ ضعف وتواني..
١٠ أي لا تخيفه الشدة، ولا تبطره النعمة..
١١ أي التخلق بأخلاق الله..
١٢ إذ طبعهم الطغيان و في الأولى والوجل في الثانية.
.
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي