ﭱﭲﭳ

قوله : إنَّكَ جواب القسم١ و على صِرَاط يجوز أن يكون متعلقاً ب «المُرْسَلِين »٢ يقول : أَرْسَلْتُ عليه، كما قال تعالى : وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً [ الفيل : ٣ ] وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكنِّ في «لَمِنَ المُرْسَلِين » لوقوعه خبراً٣، وأن يكون حالاً من٤ «المُرْسَلِينَ » وأن يكون خبراً ثانياً ل «إنَّكَ »٥.

فصل


أقسم بالقرآن على أن محمداً من المرسلين. وهو رد على الكفار، حيث قالوا :( لَسْتَ٦ مُرْسَلاً ).
فإن قيل : المطلب ثبت٧ بالدليل لا بالقسم فما الحكمة بالإقْسَام ؟ !.
فالجواب من وجوه :
الأول : إن العرب كانوا يتقون٨ الأيمان الفاجرة وكانوا يقولون بأن الأيْمَان الفاجرة توجب خراب العالم وصحح النبي - عليه الصلاة والسلام٩- ذلك بقوله :«اليَمينُ الكَاذِبَةُ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلاَقِعَ ». ثم إنهم كانوا يقولون : إن النبي عليه - ( الصلاة١٠ و ( السلام - يصيبه عذاب آلهتهم، وهي الكواكب والنبي عليه ( الصلاة و ) السلام يحلف بأمر الله وإنزال كلامه عليه بأشياء مختلفة، وما كان يصيبه عذاب بل كان كل يوم أرْفَعَ شَأْناً وأمْنَعَ مَكَاناً، فكان ذلك يوجب اعتقاد أنه ليس بكاذب.
الثاني : أن المُتَنَاظِرَ ( يْنِ )١١ إذا وقع بينهما كلام، وغلب أحدهما الآخر بتمشية دليله وأسكته يقول المغلوب : إنك قدرت هذا بقوة جدالك، وأنت خبير في نفسك بضعف مقالتك، وتعلم أن الأمر ليس كما تقول وإن أقمت عليه الدليل صورة، وعجزت أنا عن القدح فيه وهذا كثير الوقوع بين المُتَناظِرَيْنِ فعند هذا لا يجوز أن يأتي هو بدليل آخر ؛ لأن الساكت المنقطع يقول في الدليل الآخر ما قاله في الأول، فلا يجد أمراً إلا باليمين فيقول : وَاللَّهِ إنِّي لَسْتُ مُكَابِراً، وإنَّ الأمر على ما ذكرت ولم علمت خلافه لرَجَعْتُ إليه فههنا يتعين اليمين، فكذلك النبي عليه ( الصلاة و ) السلام أقام البراهين، وقالت الكفرة : مَا هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ [ سبأ : ٤٣ ] وقالوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ [ الأحقاف : ٧ ] فالتمسك١٢ بالأيْمان لعدم فائدة.
الدليل الثالث : أن هذا ليس مجرد الحلف بل دليل خرج في صورة اليمين ؛ لأن القرآن معجزة ودليل كَوْنه مُرْسَلاً هو المعجزة والقرآن كذلك.
فإن قيل : لِمَ لَمْ يذكر في صورة الدليل ؟ وما الحكمة في صورة اليمين ؟
فالجواب : أن الدليل إذا ذكر لا في صورة اليمين، قد لا يُقْبِلُ عليه السامع فلا يفيد فائدة، فإذا ابتدأ١٣ به على صورة اليمين لا يقع ولا سيما من العظيم إلا على عظيم، والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصْغاء إليه فلصورة اليمين تقبل عليه الأسماع لكونه دليلاً شافياً يتشربه الفؤاد فيقع في السمع وفي القلب.
١ وهو يس والقرآن الحكيم. انظر: الدر المصون ٤/٤٩٤..
٢ الكشاف ٣/٣١٤ والبيان ٢/٢٩٠..
٣ ذكره أبو البقاء في التبيان ١٠٧٨..
٤ الدر المصون للسمين الحلبي ٤/٤٩٤..
٥ رجحه الزجاج والفراء في معانيهما. انظر: معاني الزجاج ٤/٢٧٨ ومعاني الفراء ٢/٢٧٢ ومشكل إعراب القرآن لمكي ٢/٢٢١ والبيان لابن الأنباري ٢/٢٩٠. وقد قال الزجاج: "وأحسن ما في العربية أن يكون "لمن المرسلين" خبر إن ويكون "على صراط مستقيم" خبرا ثانيا". انظر معاني القرآن للزجاج ٤/٧٨..
٦ ما بين القوسين ساقط من "ب" وهي من الآية ٤٣ من سورة الرعد..
٧ في "ب" يثبت بالمضارعة..
٨ كذا هي في النسختين وفي الرازي: يتوقون..
٩ في "ب" صلى الله عليه وسلم..
١٠ ما بين القوسين زيادة من "ب"..
١١ في ب "المتناظر" فقط..
١٢ في "ب" والمتمسك..
١٣ وفيها ابتدىء للمجهول..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية