ﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

وأن اعبدوني : عطف على ألاَّ تعبدوا ، أي : عهدنا إليكم ألاَّ تُطيعوا الشيطان ووحّدوني، وأطيعوني، هذا صراطٌ مستقيم إشارة إلى ما عهد إليهم فيه من معصية الشيطان، وطاعة الرحمان، أي : هذا طريق بليغ في الاستقامة، لا طريق أقوم منه. وفيه إشارة إلى جنايتهم على أنفسهم بعد النصح التام، فلا حجة بعد الإعذار، ولا ظلم بعد التذكير والإنذار.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كل مَن آثر حظوظه ومُناه، ولم يقدر على مجاهدة هواه، حتى مات محجوباً عن الله، يلحقه شيء من هذا التقريع. والصراط المستقيم : هو طريق التربية، التي توصِّل إلى الحضرة، التي قام ببيانها الأولياء العارفون بالله. ولقد أضلَّ الشيطانُ عنها خلقاً كثيراً، حملهم على طلب الدنيا والرئاسة والجاه، فلم يقدروا على التفرُّغ لذكر الله، ولم يحُطوا رؤوسهم لمَن يُعَرِّفهم بالله، فيُقال لهم : هذه نار القطيعة التي كنتم تُوعدون، إن بقيتم مع حظوظكم ورئاستكم، اصلوها اليوم بكفركم بطريق التربية، اليوم نختم على أفواههم، فلا مناجاة بينهم وبين حبيبهم، وتُكلمنا أيديهم، وتشهد أرجلهم ـ بلسان الحال أو المقال ـ بما كانوا يكسبون من التقصير.
قال القشيري : قوله : وتُكلمنا أيديهم... إلخ، فأمَّا الكفار فشهادةُ أعضائِهم عليهم مؤبدة، وأما العُصَاةُ من المؤمنين فقد تشهد عليهم أعضاؤهم بالعصيان، ولكن تشهد عليهم بعض أعضائهم بالإحسان، وأنشدوا :

بيني وبينك يا ظلومُ الموقِفُ والحاكم العَدْلُ، الجوادُ المُنْصِفُ
وفي بعض الأخبار المرويةِ : أن عَبْداً شهدت أعضاؤه عليه بالزَّلَّة، فتطير شَعرة من جفن عينه، فتشهد له بالشهادة. فيقول الحق تعالى : يا شعرة جَفْنِ عبدي احتَجّي عن عبدي، فتشهد له بالبكاء من خوفه، فيغفر له، وينادي منادٍ : هذا عتيقُ الله بشَعْرَة. هـ

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير