ثم ذكر مثال المهتدي والضال، فقال : أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُواءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ :
قلت : وقيل : عطف على " يتقي "، أو : حال من ضمير " يتقي "، بإضمار " قد ".
يقول الحق جلّ جلاله : أفمَنْ يتقي بوجهِهِ الذي هو أشرف أعضائه سوء العذاب أي : العذاب السيئ الشديد يومَ القيامة كمَن ليس كذلك، بل هو آمن، لا يعتريه مكروه، ولا يحتاج إلى اتقاء، بوجه من الوجوه، وإنما كان يتقي النارَ بوجهه ؛ لكون يده التي كان يتقي بها المكاره والمخاوف مغلولة إلى عنقه. قال القشيري : قيل : إن الكافر يُلقى في النار، فيلقاها أولاً بوجهه ؛ لأنه يُرمَى فيها منكوساً ؛ فأما المؤمن المُوقَّى ذلك ؛ فهو المُلقَّى بالكرامة، فوجهُهُ ضاحكٌ مُسْتَبْشرٌ. ه.
وقيل للظالمين : يقال لهم من جهة خزنة النار. وصيغة الماضي للدلالة على التحقُّق. ووضع المظهر في مقام المضمر للتسجيل عليهم بالظلم، والإشعار بعلة الأمر في قوله : ذُوقوا ما كنتم تكسبون أي : وبال ما كنتم تكسبونه في الدنيا، من الظلم بالكفر والمعاصي.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي