نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢١:وتمضي الآيات الباقية من هذا الربع في تعداد نعم الله على خلقه، ووصف مظاهر لطفه بهم ماديا وروحيا، والمقارنة بين نور الإسلام وظلمة الكفر، وآثار كل منهما في النفوس، حيث قال تعالى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض، ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ، وقال تعالى : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله، أولئك في ضلال مبين( ٢٢ ) ، ثم تمضي في استعراض خصائص القرآن العظيم الذي يجب أن يظل نبراسا للمسلمين إلى يوم الدين، ووصف ما خلع الله عليه من حلل المهابة والجلال، وجعل له من السيطرة على القلوب، والهيمنة على المشاعر، حيث قال تعالى : الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ، وقال تعالى : ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون، قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون( ٢٨ ) .
ومعنى قوله تعالى هنا : متشابها مثاني ، حسبما روي عن سفيان بن عيينة، ( أن سياقات القرآن تارة تكون في معنى واحد يشبه بعضه بعضا، فهذا من " المتشابه "، وتارة تكون بذكر الشيء وضده، أي في معنيين اثنين، كذكر المؤمنين ثم الكافرين، وكوصف الجنة تم وصف النار، وما أشبه هذا، فهذا من " المثاني " مثل قوله تعالى : إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم ( ١٤ : ٨٢ ). قال ابن كثير :" و قد كان الصحابة رضوان الله عليهم عندما يسمعون كلام الله من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله، ولم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون ما ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون، والأدب والخشية ما لم يلحقهم فيه أحد، ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والآخرة، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، وإنما هذا في أهل البدع، وهو من الشيطان ".
ومعنى قوله تعالى هنا في وصف كتابه العزيز : قرآنا عربيا غير ذي عوج ، أنه نزل بلسان عربي مبين لا التباس فيه ولا انحراف، ولا تناقض ولا اختلاف، على غرار قوله تعالى في سورة الكهف ( ١ ) : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ، وقوله تعالى في سورة النساء ( ٨٢ ) : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري