والذين ظلموا : هنا بمعنى والذين أجرموا وأثموا وانحرفوا عن الحق.
والآيتان الثانية والثالثة تقرران أن مثل هذا الجحود وتلكم الدعوى قد كان من الأمم السابقة فلم ينفعهم ما نالوه وكسبوه ولم يلبثوا أن وقعوا في شر جحودهم وأصابهم ما استحقوا من عقاب الله عليه. وأن الظالمين من السامعين للقرآن هم أيضا سيقعون في شر آثامهم ويصيبهم ما يستحقون من عقاب الله بدورهم، وليس الله عاجزا عنهم ولن يستطيعوا الإفلات منه.
أما الآية الرابعة فقد احتوت سؤالا استنكاريا موجها لهؤلاء السامعين الظالمين عما إذا كانوا لا يعلمون أن بسط الرزق وقبضه هما في يد الله يبسطه لمن يشاء ويضيقه على من يشاء وفقا لمقتضيات حكمته. ثم انتهت بتقرير كون هذا ينطوي على آيات ربانية لينتفع بتدبرها المؤمنون، وصيغة السؤال وروح الآية معا تلهمان أن السامعين يعلمون ما قررته الآية، ولهذا فإن التنديد جاء قويا محكما. وقد سجلت آيات عديدة عليهم ذلك من جملتها الآية [ ٣٩ ] من هذه السورة، والآية [ ٣١ ] من سورة يونس هذه : قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ( ٣١ ) .
وهذه الآيات أيضا متصلة بالسياق أو استمرار له في صدد تقريع الكفار المشركين على مواقف عنادهم وجحودهم على مختلف صورها، و( فاء ) التعقيب التي بدأت بها قرينة على ذلك بالإضافة إلى ما فيها من تساوق في صدد مواقف الكفار التي ما فتئت الآيات السابقة تحكيها.
تعليق على جملة
فإذا مس الإنسان ضر
وما بعدها وما فيها من تلقين
ومع ما يتبادر من خصوصية هذه الآيات الزمنية فإنها تصح أن تكون موعظة من مواعظ القرآن وتلقيناته الشاملة المستمرة في صدد تنبيه الناس أولا : إلى ما في جحود نعم الله وما في ذكره في الشدة ونسيانه في الرخاء من تناقض وإثم. وثانيا : إلى كون ما يمنحه الناس من نعمة ويسر بدءا أو بعد شدة وضر هو اختبار رباني وليس حظوة منه واختصاصا. وثالثا : إلى ما يجب على أمثال هؤلاء الناس من ذكر الله وشكره والقيام بواجباتهم نحوه ونحو الناس وعدم الاستشعار بالبطر والزهو والاعتداد بالنفس في حالة اليسر والصبر في حالة العسر.
وقد انطوى في الفقرة الأخيرة من الآية تلقين جليل خاص وهو تقرير أثر الإيمان في رضاء النفس وطمأنينتها ؛ حيث يساعد صاحبه على لمس يد الله وقدرته في جميع الأمور فيشكره في حالة اليسر ويتحمل صابرا راضي النفس مطمئن القلب في حالة الشدة والعسر.
ولقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآية [ ٥٢ ] مدنية، ويلحظ أنها منسجمة انسجاما تاما مع الآيات سبكا وموضوعا، وأن فيها تتمة لما قبلها، وكل هذا مما يسوغ الشك في رواية مدنيتها.
التفسير الحديث
دروزة