استحيوا نساءهم : أبقوا نساءهم أحياء دون ذكور.
تعليق على قصة موسى وفرعون ومؤمن آل فرعون،
وما فيها من تماثل مع صور السيرة النبوية والتقريرات القرآنية
المباشرة في صددها، وما في ذلك من عبر وتلقين
والجديد في القصة جمع قارون إلى فرعون وهامان وكون موسى أرسل إليه أيضا. وحكاية موقف الرجل المؤمن من آل فرعون وخطابه إلى فرعون وقومه، وقول فرعون ذروني أقتل موسى.
أما ما عدا ذلك فهو متسق إجمالا مع ما جاء في السور السابقة خلال قصص موسى وفرعون مما علقنا عليه بما تبادر لنا أنه الصواب إن شاء الله فنكتفي بذلك بالنسبة لما اتسق بين ما جاء في هذه السورة والسور السابقة.
ولقد ذكر قارون في سورة القصص وأنه كان من قوم موسى فبغى عليهم، ولم يذكر فيها أنه كان في زمن موسى ولم ينف ذلك أيضا. وفي تعليقنا على قصة قارون في السورة المذكورة رجحنا أن قصة قارون وهويته مما كان واردا في بعض أسفار اليهود المتداولة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما يتسق مع ما ورد عنها إجمالا في القرآن، وأن سامعي القرآن من العرب أو بعضهم كان يعرف ذلك عن طريق اليهود. وهذا يشمل فيما هو المتبادر وما ذكر عنه في هذه السورة ولم يذكر في سورة القصص.
ولقد ذكر في سورة القصص أن رجلا حذر موسى وحثه على الخروج، ورجحنا في سياق تفسير ذلك أنه مما كان متداولا بين اليهود وواردا في بعض أسفارهم التي كانت في أيديهم في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا ما يصح أن يقال بالنسبة للرجل المؤمن من آل فرعون وموقفه. وهذا يقال أيضا في صدد قول فرعون ذروني أقتل موسى الذي ليس واردا في الأسفار المتداولة اليوم.
وفي كتب التفسير روايات معزوة إلى تابعين وتابعي تابعين فيها بعض البيانات عن مؤمن آل فرعون واسمه وهويته ووقت إيمانه مما يمكن أن يدل على تداول قصته في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبيئته ويؤيد ما رجحناه١. ومن ذلك أنه ابن عم لفرعون وأن اسمه جبريل أو حزبيل أو حبيب وأنه هو الذي حذر موسى ونصحه بالخروج على ما جاء في سورة القصص، وأنه خرج مع موسى حينما خرج ببني إسرائيل من مصر.
وأسلوب آيات القصة ومضمونها يؤكدان أن هدفها هو إنذار الكفار العرب وتخويفهم وتطمين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بأن ما يلقونه هو ما كان يلقاه الرسل والمؤمنون السابقون الذين أيدهم الله ونصرهم وأهلك أعداءهم.
ولقد ذكرت الروايات بعض مواقف لبعض المؤمنين استنكروا ما كان يبدوا من بغاة قريش من عدوان وطغيان ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنهم من كان هذا سببا لإيمانه وإعلانه مناصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل حمزة عمه الذي ثار غضبه على أبي جهل حينما علم بموقف شديد بذيء له مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث ضربه فشجه، ثم أعلن إسلامه أمام ملأ من قريش في فناء مكة. ولقد وجد أبو بكر يوما بعض بغاة قريش محدقين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأحدهم يشد رداءه على عنقه فأخذ يصرخ باكيا :( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ) حتى تعرض هو نفسه للأذى والشر. ولقد ذكرت الروايات فيما ذكرت أن بعض زعماء قريش المعتدلين كانوا ينصحون قومهم بترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشأنه فإن نجح كان في نجاحه عزهم وقوتهم. ومنهم من كان يبدي دهشته من بلاغة القرآن وروحانيته وينكر أن يكون شعر شاعر وسجع كاهن وتخيل ساحر. ففي قصة الرجل المؤمن مماثلة لبعض هذه الصور٢ وتذكير بمواقف مماثلة في سياق قصة رسول من رسل الله السابقين.
وفي آيات القصة حكاية لأقوال عديدة من أقوال مؤمن آل فرعون مشابهة لجمل قرآنية عديدة وجهت مباشرة إلى الكفار العرب ؛ منها إنذار مؤمن آل فرعون لقومه بمصير الأمم السابقة المكذبة مثل قوم نوح وعاد وثمود، ومنها تنبيه المؤمن قومه إلى أن الحياة الدنيا متاع وأن الآخرة هي دار القرار، وأن من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب. ففي كل هذا يظهر هدف العظة والزجر والدعوة والتأسي والتسلية والتثبيت والتنديد في آيات القصة قويا بارزا كما ينطوي فيه تلقينات مستمرة المدى. وهذا بالإضافة إلى ما في موقف هذا المؤمن الجريء المندد بفرعون وقومه والداعي إلى الله والمنذر بعذابه للمصريين على الكفر رغم كونه وحيدا من تلقين في إيجاب المواقف المماثلة على المؤمنين المخلصين دون خوف ورهبة من الظالمين. ولقد روى أصحاب السنن حديثا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء فيه :( أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر )٣. حيث يتساوق التلقين النبوي مع ما استلهمناه من التلقين القرآني.
ولقد جاء في آيات هذه السورة والسورة السابقة لها فضلا عما قبلهما أوامر قرآنية مباشرة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعبادة الله وحده وإخلاص الدين له ورفض دعوة المشركين إلى مشاركتهم في عبادتهم وتقاليدهم، وبين هذا وبين ما جاء في القصة من كلام الرجل المؤمن لقومه [ الآيات / ٤١ – ٤٤ ] تماثل.
ولقد جاءت في آيات هذه القصة مقاطع فيها تعليقات وتنبيهات وعظية بليغة جريا على الأسلوب القرآني البديع، منها ما هو تعليقات وتنبيهات مباشرة، ومنها ما جاء على لسان مؤمن آل فرعون، فالله لا يسعد ولا يوفق البغاة الكذابين [ الآية ٢٨ ]. والله لا يريد ظلما لعباده ولذلك جرى على سنة إرسال رسله لإنذارهم ودعوتهم [ الآيات ٢٩ – ٣٠ ] والله إنما يضل البغاة المرتابين الذين يجادلون في آيات الله بالباطل والذين استوجبوا مقت الله وإنما يطبع على قلوب المتكبرين الجبارين [ الآيات ٣٣ – ٣٤ ].
وإنه من عجيب أمرهم أنه بينما يدعوهم إلى النجاة يدعونه إلى النار ويريدون أن يكفر بالله ويشرك به غيره الذي لا يملك من الأمر شيئا، وإن مرد الناس جميعهم إلى الله وأن المسرفين في الانحراف هم وحدهم أصحاب النار [ ٤١ – ٤٣ ] ولسوف يذكرون ما يقول لهم في يوم ما ويندمون على مواقفهم وأنه يفوض أمره إلى الله البصير بأمور عباده [ ٤٤ ].
وبين هذه التعليقات ما جاء في كثير من التقريرات القرآنية المباشرة التي مرت أمثلة منها في السور السابقة تماثل كذلك. وواضح أن هذا التماثل مما يبرز قصد القصة الوعظي والتذكيري والتمثيلي.
استطراد إلى مذهب التقية بصورة عامة وعند الشيعيين بصورة خاصة
وتعليق عليه
إن مفسري الشيعة وفقهاءهم يقفون عند جملة رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه فيسوقونها كدليل من جملة الأدلة على مذهب التقية الذي يعتنقونه. وقد روى المفسر الطبرسي في سياقها قولا لأبي عبد الله أحد الأئمة جاء فيه :( إنما هذا الرجل كان يكتم إيمانه تقية من القتل، وإن التقية من ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية ترس الله في الأرض ).
والمتبادر أن في اتخاذ الشيعة هذه الآية سندا لمذهب التقية تجوزا، فيه من سياق فيه حكاية قصة من قصص رسالة موسى عليه السلام وليست تشريعا للمسلمين، وفي السياق إلى هذا حكاية الموقف الجريء الذي نوهنا به والذي يتناقض مع فكرة التقية والمداراة.
ويستند الشيعة إلى آية سورة آل عمران هذه أيضا : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ( ٢٨ ) والآية إنما تجيز التقية إزاء الكفار وحسب في حين أن الشيعة يتوسعون في مذهبهم ويسوغونه في كل حالة وموقف وإزاء الكفار والمسلمين على السواء يعتبرونه أساسا مهما من أسس الدين أو المذهب كما تفيده الرواية المروية عن أبي عبد الله التي أوردناها آنفا، ويسوقون مع هذه الرواية أحاديث نبوية أخرى لتأييد مذهبهم التوسعي لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة. من ذلك حديث يرويه العياشي أحد محدثيهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء فيه :( لا دين لمن لا تقية له )٤. وهذه الجملة وردت في القول المنسوب لأبي عبد الله. ومنها حديث رواه الديلمي جاء فيه :( إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض وفي رواية بعثت بالمداراة )٥. ومنها حديث رواه ابن أبي الدنيا جاء فيه :( رأس العقل بعد الإيمان مداراة الناس )٦. ومنها حديث رواه ابن عدي وابن عساكر جاء فيه :( من عاش مداريا مات شهيدا قوا بأموالكم أعراضكم وليصانع أحدكم بلسانه عن دينه ). ويسوقون مع هذه الأحاديث رواية طريفة يرويها المفسر العسكري جاء فيها :( إن الباقر وهو إمامهم الرابع نظر إلى بعض شيعته وقد دخل خلف بعض المنافقين إلى الصلاة – والمقصود إنه صلى مؤتما بإمام سني غير شيعي – وأحس الشيعي أن الباقر عرف ذلك منه فقصده وقال له : أعتذر إليك يا ابن رسول الله عن صلاتي خلف فلان فإنها تقية، ولولا ذلكم لصليت وحدي. فقال له الباقر : يا أخي إنما كنت تحتاج أن تعتذر لو تركت. يا عبد الله المؤمن ما زالت ملائكة السماوات السبع والأرضين السبع تصلي عليك وتلعن إمامك ذاك. وإن الله تعالى أمر أن تحسب صلاتك خلفه بسبعمائة صلاة لو صليتها وحدك فعليك بالتقية )٧.
وبقطع النظر عن صحة هذه الأحاديث وعدمها فقد يصح أن يقال : إن مذهب التقية أو المداراة وجيه وحق في حالة موجهة الخطر والضرر المؤكدين اللذين لا يمكن اتقاؤهما بغير ذلك وسواء أكان هذا إزاء الكفار أم إزاء شرار المسلمين وبغاتهم والقادرين على الكيد والضرر والأذى منهم مما قد يلهمه تلقين آية سورة النحل هذه : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان...... وآية سورة البقرة هذه : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وحديث رواه ابن ماجه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء فيه :( إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )٨. وحديث رواه الأربعة عن عائشة قالت :( استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا عنده فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بئس ابن العشيرة أو أخو العشيرة ثم أذن له فألان له القول فلما خرج قلت : يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له القول، فقال : يا عائشة، إن من شر الناس من يتركه الناس اتقاء فحشه )٩. غير أن التوسع في هذا المذهب وتشميله لأية حالة وموقف إطلاق هو من مميزات المذهب الشيعي الذي لا نراه معقولا إلا في حالة الخطر والضرر الأكيدين والله أعلم.
هذا، وهناك أقوال وحدود أخرى للمؤولين والمفسرين وردت في سياق آية سورة آل عمران [ ٣٨ ] سنوردها ونعلق عليها عند تفسير هذه الآية.
تعليق على ذكر عاد وثمود ورسالة يوسف
عليه السلام في الآيات
وفي الآية [ ٣١ ] ذكر لعاد وثمود مع قوم نوح، وقصتا عاد وثمود لم تردا في الأسفار اليهودية المتداولة. وهما، على ما قلنا قبل، عربيتا الموطن أي كانتا في جزيرة العرب. وقد يورد هذا سؤالا عما إذا كان يصح أن تورد قصتهما على لسان مؤمن آل فرعون. ولسنا نر
التفسير الحديث
دروزة