٣- التنبيه على قدرة الله في الإحياء والإماتة، وعلى سرعة إنجاز الخلق والتكوين بمجرد إرادة الله الفعل.
جزاء المجادلين بالباطل في آيات الله
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٦٩ الى ٧٦]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣)
مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (٧٤) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)
الإعراب:
الَّذِينَ كَذَّبُوا بدل من الَّذِينَ الأولى، أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوب على الذم.
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ السَّلاسِلُ: مرفوع معطوف على الْأَغْلالُ وتقديره: إذ الأغلال والسلاسل في أعناقهم. ومنهم من وقف على أَعْناقِهِمْ وابتدأ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ وتقديره: والسلاسل يسحبون بها في الحميم، فحذف الجار والمجرور. وقرئ «والسلاسل يسحبون» بنصب اللام وفتح ياء الفعل، على أنه مفعول يُسْحَبُونَ أي يسحبون السلاسل. وقرئ «والسلاسل» بالجر، بالعطف على أعناقهم، وهي قراءة ضعيفة، لأنه يصير المعنى: الأغلال في الأعناق والسلاسل، ولا معنى للأغلال في السلاسل.
البلاغة:
بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ التفات عن الغيبة إلى الخطاب للمبالغة في التوبيخ. ويوجد جناس ناقص بين تَفْرَحُونَ وتَمْرَحُونَ.
المفردات اللغوية:
يُجادِلُونَ كرر ذم المجادلة لتعدد المجادل أو المجادل فيه، أو للتأكيد آياتِ اللَّهِ القرآن أَنَّى كيف يُصْرَفُونَ يبعدون عن الإيمان بالله. الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ بالقرآن أو بجنس الكتب السماوية وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا من سائر الكتب والوحي والتوحيد والبعث والشرائع فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عقوبة تكذيبهم.
إِذِ الْأَغْلالُ إِذِ: ظرف للفعل المتقدم يَعْلَمُونَ بمعنى إذا للاستقبال، أي ليعلمون إذ الأغلال، وعبر ب إِذِ التي هي ظرف للماضي عن المستقبل، لتيقن وقوع الأمر المخبر به وكونه مقطوعا به والْأَغْلالُ: جمع غل: وهو القيد الذي يوضع في العنق يُسْحَبُونَ يجرّون بعنف بالسلاسل فِي الْحَمِيمِ جهنم، وهي الماء الحار يُسْجَرُونَ يحرقون ويوقدون، يقال: سجّر التنور: ملأه بالوقود، ومنه وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ المملوء ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ يقال لهم توبيخا وتقريعا: أين الأصنام التي كنتم تعبدون في الدنيا ضَلُّوا عَنَّا غابوا واضمحلوا، فلا نراهم بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً أنكروا عبادتهم إياها، ثم أحضرت كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ أي مثل إضلال هؤلاء المكذبين يضل الله الكافرين، حتى لا يهتدوا إلى شيء ينفعهم في الآخرة.
ذلِكُمْ العذاب تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ تبطرون وتتكبرون بِغَيْرِ الْحَقِّ وهو الشرك والطغيان وإنكار البعث وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ تختالون أشرا وبطرا وتتوسعون في الفرح أَبْوابَ جَهَنَّمَ الأبواب السبعة المقسومة لكم خالِدِينَ فِيها مقدّرا لكم الخلود فيها مَثْوَى مأوى.
المناسبة:
عاد الحق تعالى في هذه الآيات إلى ذم المجادلين في آيات الله، مبينا عظيم جرمهم في تكذيب القرآن وجزاءهم على ذلك، فليس فيه تكرار، إذ السابق لبيان منشأ الجدل وسببه، وهذا تعجيب من حال المجادلين وآرائهم الفاسدة، مع
بيان عاقبتهم، والظاهر- كما ذكر أبو حيان- أنها في الكفار المجادلين في رسالة الرسول ص والكتاب الذي جاء به.
التفسير والبيان:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ أي ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين المشركين المجادلين بالباطل في آيات الله الواضحة الموجبة للإيمان بها، كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال؟ مع قيام الأدلة الدالة على صحتها، وأنها في نفسها موجبة للتوحيد.
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أي إنهم هم الذين كذبوا بالقرآن وبالذي أرسلنا به الرسل من التوحيد وإخلاص العبادة لله والشرائع الصالحة لحياة الإنسان في الدنيا، والتبرؤ من الشرك والوثنية، والإيمان بالبعث، ثم هددهم وأوعدهم بقوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقبة أمرهم ووبال كفرهم.
ثم ذكر مضمون التهديد الشديد والوعيد الأكيد بقوله:
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ، وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ أي فسوف يعلم هؤلاء المكذبون حين تجعل القيود في أعناقهم، ويسحبون بالسلاسل في الحميم: وهو الماء المتناهي في الحرارة، فتتقطع جلودهم وتنسلخ لحومهم، ثم يحرقون في النار التي توقد بهم وتحيط بهم، كما قال تعالى: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ، يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن ٥٥/ ٤٣- ٤٤] وقال سبحانه بعد ذكر أكلهم الزقوم وشربهم الحميم: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ [الصافات ٣٧/ ٦٨] وقال عز وجل: خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ. ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ [الدخان ٤٤/ ٤٧- ٥٠].
ثم يسألون سؤال تقريع وتبكيت وتوبيخ عن أصنامهم المعبودة، فقال تعالى: ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ قالُوا: ضَلُّوا عَنَّا، بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً، كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ أي يقال لهم من قبل الملائكة تقريعا لهم وتوبيخا: أين الأصنام والشركاء التي كنتم تعبدونها من دون الله، ما لهم لا ينقذونكم مما أنتم فيه، وينصرونكم اليوم وقت المحنة؟
قالوا مجيبين: غابوا عنا وذهبوا فلم ينفعونا، وفقدناهم فلا نراهم، والحق أننا لم نكن نعبد شيئا، أي تبينا أننا لم نكن نعبد شيئا ينفع، لأنه لا يبصر ولا يسمع، ولا يضر ولا ينفع، وذاك الذي صدر عنهم اعتراف صريح بأن عبادتهم إياها كانت باطلة.
ومثل ذلك الضلال يضل الله الكافرين حيث عبدوا هذه الأصنام التي أوصلتهم إلى النار، أي هكذا يتبين بطلان جميع أعمال الكافرين، وتنقطع العلائق والصلات بين العابدين والمعبودين.
ثم أبان الله تعالى سبب تعذيبهم فقال:
ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ أي ذلكم العذاب والإضلال بسبب ما كنتم تظهرون في الدنيا من الفرح بمعاصي الله، والسرور بمخالقة رسله وكتبه، وبسبب ما كنتم تبطرون وتأشرون وهو جزاء المرح بغير الحق وهو الشرك وعبادة الأوثان.
ثم أوضح لهم نوع الجزاء تبكيتا وتوبيخا وتيئيسا لهم من تفادي العذاب، فقال:
ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ، خالِدِينَ فِيها، فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ أي ادخلوا أبواب جهنم السبعة المقسومة لكم، كما قال تعالى: لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ، لِكُلِّ
بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ
[الحجر ١٥/ ٤٤] وإنكم مخلدون فيها أبدا على الدوام، فبئس المنزل والمأوى الذي فيه الهوان والعذاب الشديد لمن استكبر عن آيات الله واتباع دلائله وحججه.
فقه الحياة أو الأحكام:
يؤخذ من الآيات ما يأتي:
١- من العجب العجاب أن المشركين الذين يجادلون في آيات الله بغير حق ويكذبون بها يصرفون عن الهدى إلى الضلال، وعن الحق إلى الباطل.
٢- سيعلمون عما قريب بطلان ما هم فيه إذا دخلوا النار، وغلّت أيديهم إلى أعناقهم، وسحبوا بالسلاسل في الحميم، أي الماء المسخن بنار جهنم، وأحاطت بهم النار إحاطة تامة.
٣- تقول لهم الملائكة بعد دخولهم النار تقريعا وتوبيخا: أين أصنامكم التي كنتم تعبدونها من دون الله، ما لكم لا تنصرون بها اليوم؟
فأجابوا: لقد هلكوا وذهبوا عنا، وتركونا في العذاب، فلا نراهم ولا نستشفع بهم. ثم اعترفوا بأن عبادتهم الأصنام كانت باطلة، فإنها ليست بشيء، لأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، وهكذا تبين لهم أنهم لم يكونوا شيئا، كما تقول: حسبت أن فلانا شيء، فإذا هو ليس بشيء، إذا جربته، فلم تجد عنده خيرا «١». وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام ٦/ ٢٣].
٤- قال الله تعالى عقب هذا الاعتراف: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ أي كما فعل بهؤلاء من الإضلال، يفعل بكل كافر، وهو إضلال لا توفيق فيه عن
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي