سُورَةُ فُصِّلَتْ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ) : هُوَ مِثْلُ أَوَّلِ السَّجْدَةِ. كِتَابٌ؛ أَيْ هُوَ كِتَابٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِتَنْزِيلٍ؛ أَيْ نُزِّلَ كِتَابٌ؛ وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أَوْ بَدَلًا. وَ (قُرْآنًا) : حَالٌ مُوَطِّئَةٌ مِنْ «آيَاتِهِ». وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «كِتَابٍ» لِأَنَّهُ قَدْ وُصِفَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِمَّا تَدْعُونَا) : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى «فِي أَكِنَّةٍ» : مَحْجُوبَةٌ عَنْ سَمَاعِ مَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِأَكِنَّةٍ لِأَنَّ الْأَكِنَّةَ: الْأَغْشِيَةُ، وَلَيْسَتِ الْأَغْشِيَةُ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)).
وَ (مَمْنُونٍ) : مَفْعُولٌ، مَنْ مَنَنْتُ الْحَبْلَ؛ أَيْ قَطَعْتُهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَعَلَ فِيهَا) : هُوَ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلَى «خَلَقَ» لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ لَكَانَ دَاخِلًا فِي الصِّلَةِ؛ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَتَجْعَلُونَ...) إِلَى آخَرِ الْآيَةِ؛ وَلَيْسَ مِنَ الصِّلَةِ فِي شَيْءٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) : أَيْ فِي تَمَامِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَلَوْلَا هَذَا التَّقْدِيرُ: لَكَانَتِ الْأَيَّامُ ثَمَانِيَةً: يَوْمَانِ فِي الْأَوَّلِ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: (خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) [فُصِّلَتْ: ٩] وَيَوْمَانِ فِي الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) [فُصِّلَتْ: ١٢].
(سَوَاءً) - بِالنَّصْبِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ؛ أَيْ فَاسْتَوَتِ اسْتِوَاءً، وَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «أَقْوَاتِهَا»، أَوْ فِيهَا، أَوْ مِنَ الْأَرْضِ. وَيُقْرَأُ بِالْجَرِّ عَلَى الصِّفَةِ لِلْأَيَّامِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ هِيَ سَوَاءٌ.
قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (اِئْتِيَا) : أَيْ تَعَالَيَا. وَ (طَوْعًا) وَ (كَرْهًا) : مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
وَ (أَتَيْنَا) بِالْقَصْرِ؛ أَيْ جِئْنَا، وَبِالْمَدِّ؛ أَيْ أَعْطَيْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا الطَّاعَةَ.
وَ (طَائِعِينَ) : حَالٌ؛ وَجَمْعٌ، لِأَنَّهُ قَدْ وَصَفَهَا بِصِفَاتِ مَنْ يَعْقِلُ، أَوِ التَّقْدِيرُ: أَتَيْنَا بِمَنْ فِينَا؛ فَلِذَلِكَ جَمَعَ.
وَقِيلَ: جَمَعَ عَلَى حَسَبِ تَعَدُّدِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)) (وَحِفْظًا) أَيْ وَحَفِظْنَاهَا حِفْظًا، أَوْ لِلْحِفْظِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤)).
(إِذْ جَاءَتْهُمُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِأَنْذَرْتُكُمْ، كَمَا تَقُولُ: لَقِيتُكَ إِذْ كَانَ كَذَا؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِصَاعِقَةٍ، أَوْ حَالًا مِنْ «صَاعِقَةً» الثَّانِيَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)).
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي