ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬ

ولما ذكر وعيدهم في الدنيا والآخرة أتبعه سبب كفرهم الذي هو سبب الوعيد فقال تعالى : وقيّضنا قال مقاتل : هيأنا وقال الزجاج : سببنا لهم أي : للكفرة وأصل التقييض : التيسير والتهيئة يقال : قيضته للدواء هيأته له ويسرته، وهذان ثوبان قيضان أي : كل منهما مكافئ للآخر في الثمن وقوله تعالى : قرناء أي : نظراء من الشياطين حتى أضلوهم، جمع قرين قال تعالى : ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيّض له شيطاناً فهو له قرين ( الزخرف، ٣٦ ) فزينوا لهم أي : من القبائح ما بين أيديهم أي : من أمر الدنيا حتى آثروها على الآخرة وما خلفهم أي : من أمر الآخرة فدعوهم إلى التكذيب وإنكار البعث، وقال الزجاج : زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، وما خلفهم من أمر الدنيا بأن الدنيا قديمة ولا صانع إلا الطبائع والأفلاك، قال القشيري : إذا أراد الله بعبده سوءاً قيض له إخوان سوء وقرناء سوء يحملونه على المخالفات ويدعونه إليها، ومن ذلك الشيطان، وشر منه النفس وبئس القرين، تدعو اليوم إلى ما فيه الهلاك وتشهد غداً عليه، وإذا أراد الله بعبده خيراً قيض الله له قرناء خير يعينونه على الطاعة ويحملونه عليها ويدعونه إليها.
وروي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إذا أراد الله بعبد شراً قيض له قبل موته شيطاناً فلا يرى حسناً إلا قبحه عنده ولا قبيحاً إلا حسنه عنده ». وعن عائشة : إذا أراد الله بالوالي خيراً قيض له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه، وإن أراد غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله تعالى ».
تنبيه : في الآية دلالة على أنه تعالى يريد الكفر من الكافرين لأنه تعالى قيض لهم قرناء سوء فزينوا لهم الباطل، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منهم الكفر ولكن لا يرضاه كما قال تعالى : ولا يرضى لعباده الكفر ( الزمر : ٧ ). وحق أي : وجب وثبت عليهم القول أي : كلمة العذاب، وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم، وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم، والباقون بكسر الهاء وضم الميم وقوله تعالى : في أمم محله نصب على الحال من الضمير في عليهم أي : حق عليهم القول كائنين في جملة أمم كثيرة، وفي بمعنى مع قد خلت أي : لم تتعظ أمة منهم بالأخرى من قبلهم أي : في الزمان من الجن والأنس قد عملوا مثل أعمالهم، وقوله تعالى : إنهم أي : جميع المذكورين منهم وممن قبلهم كانوا خاسرين تعليل لاستحقاقهم العذاب.

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

الشربيني

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير