يلبسون من سُندس وهو ما رقَّ من الديباج، وإِستبرقِ ما غلظ منه، وهو مُعرّب، والجملة إما حال، أو استئناف، حال كونهم متقابلين في مجالسهم، يستأنس بعضهم ببعض.
وقال الورتجبي بعد كلام : إذ أحضرهم - تعالى - في ساحة كبريائه، ويتجلّى لهم بالبديهة من غير الجبّارية والقهّارية ؛ يكونون في محل الفناء، وفي فناء الفناء، وغلبات سطوات ألوهيته، فإذا صاروا فانين، ألبسهم الله لباس بقائه، فيبقون ببقائه أبد الآبدين، فإذاً الاستثناء وقع على التحقيق، لا على التأويل، فيا رُبّ موتٍ هناك، ويا رُبّ حياة هناك ؛ لأن الحدَث لا يستقيم عند بروز حقائق بواطن القِدم، ألا ترى إلى إشارة النبي صلى الله عليه وسلم كيف قال :" حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " ١ أي : فيتلاشى الخلق ويبقى الحق.
قيل للجنيد : أهل الجنة باقون ببقاء الحق ؟ فقال : لا، ولكنهم مُبْقَوْن ببقاء الحق، والباقي على الحقيقة من لم يزل، ولا يزال باقياً. هـ.
والحاصل : أنه لا عدم بعد وجودهم بالله، ولا يكون إلا بعد الفناء عن أوصاف الخليقة، ووجود البشرية، بالاندراج في وجود الحق، ثم الحياة بحياته، والبقاء ببقائه أبداً، قاله في الحاشية الفاسية. والفرق بين الباقي والمبقى في كلام الجنيد : أن الباقي يدلّ على ثبوت بقائه مستقلاً، بخلاف المبقَى، لا وجود لبقائه، بل مبقى ببقاء غيره.
وقال في قطب العارفين، لمَّا تكلم على التقوى : التقوى مطرد في وجوه كثيرة، تقوى الشرك، ثم تقوى المعصية، ثم تقوى فضل المباح، ثم تقوى كل ما يسترق القلوب عن الله تعالى، وإلى هذا الصنف الإشارة بسر قوله تعالى : إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون... الآية. هـ. وعنه صلى الله عليه وسلم :" مَن قرأ سورة الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك " ٢ ذكره في الجامع، وفي فضلها أحاديث، تركتها.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي