والإشارة بقوله : ذلك إلى ما تقدّم من ارتدادهم، وهو مبتدأ وخبره بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ الله أي بسبب أن هؤلاء المنافقين الذين ارتدّوا على أدبارهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله، وهم المشركون سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمر وهذا البعض هو عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومخالفة ما جاء به. وقيل المعنى : إن المنافقين قالوا لليهود : سنطيعكم في بعض الأمر، وقيل : إن القائلين اليهود، والذين كرهوا ما أنزل الله : المنافقون، وقيل : إن الإشارة بقوله : ذلك إلى الإملاء، وقيل : إلى التسويل، والأوّل أولى. ويؤيد كون القائلين : المنافقين والكارهين : اليهود قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ [ الحشر : ١١ ] ولما كان قولهم المذكور للذين كرهوا ما أنزل الله بطريقة السرّ بينهم. قال الله سبحانه : والله يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ قرأ الجمهور بفتح الهمزة جمع سرّ، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم. وقرأ الكوفيون وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن وثاب والأعمش بكسر الهمزة على المصدر، أي إخفاءهم.
والأحاديث في صلة الرحم كثيرة جداً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : إِنَّ الذين ارتدوا على أدبارهم قال : هم أهل النفاق. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله : أَمْ حَسِبَ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ الله أضغانهم قال : أعمالهم : خبثهم، والحسد الذي في قلوبهم، ثم دلّ الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بعد على المنافقين، فكان يدعو باسم الرجل من أهل النفاق. وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري في قوله : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول قال : ببغضهم عليّ بن أبي طالب.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني