يا أيها الذين آمنوا إِن تنصروا اللهَ بنصر دينه وإظهار شريعة نبيه ينصركمْ على عدوكم، ويفتح لكم، ويُثبت أقدامكم في مواطن الحرب ومواقفها، أو على محجة الإسلام.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : نهايةُ الجهاد الأصغر : وضعُ الحرب أوزارَها بالإسلام أو السّلم، ونهاية الجهاد الأكبر : استسلامُ النفس وانقيادها لما يُراد منها، أو موتها بالغيبة عنها بالكلية. قال بعض العارفين : انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. هـ. فالإشارة بقوله : إذا لقيتم الذين كفروا... الخ إلى قتل الهوى والشطيان وسائر القواطع، حتى إذا أثخنتموهم فشُدُّوا وثاقهم، ولا تأمنوا غائلتهم.
قال القشيري، بعد كلام : وكذلك العبد إذا ظفر بنفسه ؛ فلا ينبغي أن يُبْقِيَ بعد انتقَاش شَوْكها بقيةً، ولا في قلع شجرها مستطاعاً وميسوراً ؛ فالحيّة إن بقيت منها بقية من الحياة مَنْ وضع عليها إصبُعَه بَثَّتْ سُمَّها فيه. فإذا تمكنتم من معرفة الله، فإما أن تَمُنوا عليها بترك جِهادها الأكبر، وإما أن تفدوها بالغيبة عنها في حلاوة الشهود، حتى تضع الحرب أوزارها بالموت، ولو شاء اللّهُ لخلّصكم منها من غير جهاد، فالقدرة صالحة، ولكن ليختبركم، فيظهر السائرون من القاعدين مع حظوظهم " لولا ميادينُ النفوس ما تحقق سير السائرين ". والذين قاتلوا نفوسَهم في سبيل الله وطلب معرفته، فلن يُضل أعمالَهم، سيهديهم إلى معرفته، ويُصلح بالهم بالاستغراق في شهوده، ويُدخلهم جنة المعارف، قد عرَّفها لهم، وبيَّنها على أيدي الوسائط من الشيوخ العارفين، أو طيّبها لهم، فيهتدون بنسيم واردات التوجه، إلى أنوار المواجهة. وقد أشار تعالى بقوله : والذين قاتلوا في سبيل الله إلى طلب الإخلاص، فلا يوصل الجهاد الأصغر ولا الأكبر إلى رضوان الله، أو معرفته، إلا بتحقُّق الإخلاص، من غير التفات لغرض نفساني، لا عاجلاً ولا آجلاً.
ذكر الشيخ أبو نعيم الحافظ : أن ميْسرة الخادم، قال : غزونا في بعض الغزوات، فإذا بفتى جانبي، وهو مقنَّع بالحديد، فحمل على الميمنة، ثم الميسرة، ثم على القلب، ثم أنشأ يقول :| أَحْسِنْ بمَولاكَ سَعيدُ ظنّاً | هَذَا الذِي كُنتَ تَمَنَّى |
| تَنَح يا حُورَ الْجنَانِ عَنَّا | مَا فيك قَاتَلْنَا ولا قُتِلْنا |
| لكِنْ إِلى سَيدكُنَّ اشْتَقْنَا | قَدْ عَلِم السر وما أَعْلَنَّا |
قال : فحمَل فقاتل، فقَتَل منهم عدداً، ثم رجع إلى موقفِه، فتكالب عليه العدو، فحملَ، وأنشأ يقول :| قد كُنْتُ أَرْجُو وَرَجَائي لَمْ يَخِبْ | أَلاَّ يَضيعَ الْيَومَ كَدِّي والطَّلَبْ |
| يا مَن ملأ تِلْكَ الْقُصُورِ باللعب | لَولاَكَ مَا طَابَتْ ولاَ طَابَ الطَّرَب |
ثم حمَلَ فقاتل، فقَتل عدداً كثيرا، ثم رجع إلى مصافه، فتكالب عليه العدو، فحملَ ثالثة، وأنشأ يقول :| يَا لُعبةَ الْخُلْدِ قِفِي ثُمَّ اسْمَعِي | ما لَكِ قَاتَلْنَا فَكُفّي وَارْجِعي |
| ثُمَّ ارْجِعِي إلى الْجِنَانِ وأَسْرعي | لاَ تَطْمعِي لاَ تَطْمعِي لاَ تَطْمعِي |
فقاتل رضي الله عنه حتى قُتل - رحمه الله. هـ.
قوله تعالى : إِن تنصروا الله ينصركمْ ويُثبتْ أقدامكمْ فيه ترغيب وتنشيط لأهل الوعظ والتذكير، الداعين إلى الله، الذين يسعون في أظهار الدين، وإرشاد عباد الله إلى محبة الله وطاعته. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم :" والذي نفس محمد بيده، لئن شئتم لأقسمن لكم، أن أحب عباد الله إلى الله الذين يُحببون اللّهَ إلى عباده، ويُحببون عبادَ اللهَ إلى الله، ويمشون في الأرض بالنصيحة ". وقال أيضاً :" الخلق عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله " وأعظم النفع : إرشادهم إلى الله، الذي هو سبب سعادتهم السرمدية.
وقال الورتجبي : نُصرةُ العبد لله : أن يجاهد نفسه وهواه وشيطانه، فإنهم أعداؤه، فإذا خاصمها يُقويه الله وينصره عليهم، بأن يدفع شرهم عنه، ويجعله مستقيماً في طاعة الله، ويجازيه بكشف جماله، حتى يَثْبُتَ في مقام العبودية، وانكشاف أنوار الربوبية. هـ.
قال القشيري : ونصرةُ الله للعبد بإعلاء كلمته، وقمع أعدائه. ثم قال في قوله تعالى : ويُثبت أقدامكم هو إدامة التوفيق، لئلا ينهزم من صَوْلة أعداء الدين، ولا يَضعُف قلبُه في معاداتهم، ولا ينكسر باطنُه ثقةً بالله في إعزازِ دينه. هـ. ثم ذكر تعالى أضداد الداعين إلى الله، الناصرين لدينه، وهم المنتقدون عليهم، فقال : والذين كفروا فتسعاً لهم أي : خيبةً لهم، وأضل أعمالهم فلا يتوصلون بها إلى معرفته، لكونها معلولة.