ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ

وَ (ظَنَّ السَّوْءِ) أَعَمُّ مِنْ ظَنِّهِمْ أَنْ لَا يرجع الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنُونَ، أَيْ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ بِالدِّينِ وَبِمَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُوقِنِينَ لِأَنَّهُمْ جَزَمُوا بِاسْتِئْصَالِ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ يَنْتَصِرُونَ ثُمَّ يَغْزُونَ الْمَدِينَةَ بِمَنْ يَنْضَمُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الْقَبَائِلِ فَيُسْقَطُ فِي أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ وَيَرْتَدُّونَ عَنِ الدِّينِ فَذَلِكَ ظَنُّ السَّوْءِ. وَالسَّوْءِ بِفَتْحِ السِّينِ تَقَدَّمَ آنِفًا فِي قَوْلِهِ: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ [الْفَتْح: ٦].
وَالْبُورُ: مَصْدَرٌ كَالْهُلْكِ بِنَاءً وَمَعْنًى، وَمِثْلُهُ الْبَوَارُ بِالْفَتْحِ كَالْهَلَاكِ وَلِذَلِكَ وَقَعَ وَصْفًا بِالْإِفْرَادِ وَمَوْصُوفِهِ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ. وَالْمُرَادُ الْهَلَاكُ الْمَعْنَوِيُّ، وَهُوَ عَدَمُ الْخَيْرِ وَالنَّفْعِ فِي الدِّينِ وَالْآخِرَةِ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ [٤٢].
وَإِقْحَامُ كَلِمَةِ قَوْماً بَيْنَ كُنْتُمْ وبُوراً لِإِفَادَةِ أَنَّ الْبَوَارَ صَارَ مِنْ مُقَوِّمَاتِ قَوْمِيَّتِهِمْ لِشِدَّةِ تَلَبُّسِهِ بِجَمِيعِ أَفْرَادِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٦٤]. وَقَوْلِهِ: وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ فِي سُورَة يُونُس [١٠١].
[١٣]
[سُورَة الْفَتْح (٤٨) : آيَة ١٣]
وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٣)
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْقَوْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي قَوْلِهِ: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً [الْفَتْح: ١١] الْآيَاتِ وَقَوْلِهِ: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [آل عمرَان: ١٨٩] وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ لِلتَّحْذِيرِ مِنَ اسْتِدْرَاجِهِمْ أَنْفُسَهُمْ فِي مَدَارِجِ الشَّكِّ فِي إِصَابَةِ أَعمال الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُفْضِيَ بِهِمْ إِلَى دَرَكَاتِ الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ إِذْ كَانَ تَخَلُّفُهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ مَعَهُ وَمَا عَلَّلُوا بِهِ تَثَاقُلَهُمْ فِي نُفُوسِهِمْ وَإِظْهَارُ عُذْرٍ مَكْذُوبٍ أَضْمَرُوا خِلَافَهُ، كُلُّ ذَلِكَ حَوْمًا حَوْلَ حِمَى الشَّكِّ يُوشِكُونَ أَنْ يَقَعُوا فِيهِ.
ومَنْ شَرْطِيَّةٌ. وَإِظْهَارُ لَفْظِ الْكَافِرِينَ فِي مَقَامِ أَنْ يُقَالَ: أَعْتَدْنَا لَهُمْ سَعِيرًا، لِزِيَادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنَى مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَالسَّعِيرُ: النَّارُ الْمُسَعَّرَةُ وَهُوَ مِنْ أَسمَاء جَهَنَّم.

صفحة رقم 165

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية