الحكمة في صلح الحديبية
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ( ٢٠ ) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ( ٢١ ) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ( ٢٢ ) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ( ٢٣ ) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ( ٢٤ )
تمهيد :
هذه الآيات تتحدث عن نعمة الله تعالى على أهل الحديبية، فقد تم الصلح بعد مناوشات متعددة، تمسك المسلمون فيها بالصبر، ومنحهم الله النصر، وهنا يخبرهم القرآن أن أمامهم مغانم كثيرة في فتوحاتهم، فعجل لهم غنائم خيبر، ولتكون دليلا على صدق وعده سبحانه، وهناك غنائم في فارس والروم قد أحاط الله بها، وجعلها جاهزة لمن يتقدم لطلبها، أو مغانم بعد فتح مكة من هوازن وغيرها، ولو حدث قتال يوم الحديبية لنصركم الله عليهم، تلك سنة الله في نصر المؤمنين وهزيمة الكافرين، إن لله حكمة في أن كف ومنع أيديكم عن أهل مكة، ومنع أيديهم عنكم، بعد أن أظفركم الله عليهم بالبيعة و بمطاردتهم إلى حيطان مكة، والله مطلع على أعمالكم، بصير بنياتكم، وسيحسن مثوبتكم.
المفردات :
سنة الله : حكم الله وقانونه القديم في نصرة أنبيائه، قال تعالى : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي... ( المجادلة : ٢١ ).
التفسير :
٢٣- سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا .
تلك سنة الله، أي منهجه المطرد، وقوانينه العادلة، أن يؤيد الحق وينصر الرسل، ويبارك المؤمنين إذا أخذوا بالأسباب، ثم اعتمدوا على الله رب العالمين، ومن سنة الله هزيمة الكافرين أمام المؤمنين، وهزيمة أهل الباطل أمام أهل الحق، وهي سنة قديمة وممتدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولن تجد لسنة الله تبديلا .
أي ولن تجد أيها العاقل لقانون الله الكوني تغييرا، لأن الذي وضعه هو خالق هذا الكون، ورافع السماء وباسط الأرض، ومسخر السحاب، ومظلم الليل ومضيء النهار، ومن قوانينه العادلة نصرة المجاهدين، ورفع راية أهل الحق، وهزيمة المبطلين، فدولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة، والآية تبشر المؤمنين، وتأخذ بأيديهم إلى الثبات والكفاح والنصر، كما قال تعالى : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون . ( الصافات : ١٧١-١٧٣ ).
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة