يومئذٍ بمكة. فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «إنَّ عُثْمَانَ فِي حَاجَةِ الله وَحَاجَةِ رَسُولِهِ، وَحَاجَةِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ وضع إحدى يديه على الأخرى، وقال: هذه بَيْعَةُ عُثْمَان».
فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ أي: مَا فِى قُلُوبِهِمْ من الصدق والوفاء. وهذا قول ابن عباس.
وقال مقاتل: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ من الكراهية للبيعة على أن يقتلوا، ولا يفروا. فَأَنْزَلَ الله السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ يعني: أنزل الله تعالى الطمأنينة، والرضى عليهم. وَأَثابَهُمْ يعني:
أعطاهم. فَتْحاً قَرِيباً يعني: فتح خيبر. وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها يعني: يغنمونها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً حكم عليهم بالقتل، والسبي. ويقال: حكم الغنيمة للمؤمنين، والهزيمة للكافرين.
ثم قال: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها يعني: تغنمونها، وهو ما أصابوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم وبعده إلى يوم القيامة. وقال ابن عباس: هي هذه الفتوح التي تفتح لكم فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يعني: فتح خيبر، قرأ بعضهم وَأَتاهُمُ أي: أعطاهم وقراءة العامة وَأَثابَهُمْ يعني: كافأهم.
قوله تعالى: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ يعني: أيدي أهل مكة. ويقال: أسد وغطفان أرادوا أن يعينوا أهل خيبر، فدفعهم الله عن المؤمنين، فصالحوا النبيّ صلّى الله عليه وسلم على ألا يكونوا له، ولا عليه.
ثم قال: وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وهو فتح خيبر، لأن المسلمين كانوا ثمانية آلاف، وأهل خيبر كانوا سبعين ألفاً.
ثم قال: وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً يعني: يرشدكم ديناً قيماً، وهو دين الإسلام.
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٢١ الى ٢٦]
وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥)
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦)
ثم قال: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها يعني: وعدكم الله غنيمة أخرى لم تقدروا عليها.
يعني: لم تملكوها بعد، وهو فتح مكة. ويقال: هو فتح قرى فارس، والروم. قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها يعني: علم الله أنكم ستفتحونها، وستغنمونها، فجمعها، وأحرزها لكم. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً من الفتح وغيره وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: كفار مكة يوم الحديبية.
ويقال: أسد وغطفان يوم خيبر. لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ منهزمين ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً يعني: قريبا ينفعهم، ولا مانعاً يمنعهم من الهزيمة.
قوله عز وجل: سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ يعني: هكذا سنة الله بالغلبة، والنصرة لأوليائه، والقهر لأعدائه. وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا يعني: تغييراً، وتحويلاً.
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ يعني: أيدي أهل مكة، وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ يعني:
أيديكم عن أهل مكة من بعد أن أَظْفَركم عليهم. وذلك أن جماعة من أهل مكة، خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين، فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخلوهم بيوت مكة. وروى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: طلع قوم وهم ثمانون رجلاً على رسول الله صلّى الله عليه وسلم من قبل التنعيم عند صلاة الصبح ليأخذوه، فأخذهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وخلى سبيلهم. فأنزل الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ يعني: بوسط مكة مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ يعني: سلطكم عليهم وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً بحرب بعضكم بعضاً.
قوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: جحدوا بوحدانية الله تعالى وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَن تطوفوا به وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً يعني: محبوساً. يقال: عكفته عن كذا إذا حبسته. ومنه العاكف في المسجد لأنه حبس نفسه. يعني: صيروا الهدي محبوساً عن دخول مكة، وهي سبعون بدنة. ويقال: مائة بدنة. أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ يعني: منحره، ومنحرة منى للحاج، وعند الصفا للمعتمر.
ثم قال: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ بمكة لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أنهم مؤمنون.
يعني: لم تعرفوا المؤمنين من المشركين أَنْ تَطَؤُهُمْ يعني: تحت أقدامكم. ويقال:
فتضربوهم بالسيف فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ يعني: تلزمكم الدية بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بغير علم
بحر العلوم
أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي