وحينئذ جعل رسول الله ﷺ يده على يده وقال: هذه يد لعثمان، وهي خير من يد عثمان ثم جاء عثمان بعد ذلك سالما.
والشَّجَرَةِ سمرة كانت هنالك، ذهبت بعد سنين، فمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته فاختلف أصحابه في موضعها، فقال عمر سيروا هذا التكلف.
وقوله تعالى: فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ قال قوم معناه: من كراهة البيعة على الموت ونحوه وهذا ضعيف، فيه مذمة للصحابة. وقال الطبري ومنذر بن سعيد معناه: من الإيمان وصحته والحب في الدين والحرص عليه، وهذا قول حسن، لكنه من كانت هذه حاله فلا يحتاج إلى نزول ما يسكنه، أما أنه يحتمل أن يجازى ب السَّكِينَةَ والفتح القريب والمغانم.
وقال آخرون معناه: من الهم بالانصراف عن المشركين والأنفة في ذلك على نحو ما خاطب فيه عمر وغيره، وهذا تأويل حسن يترتب معه نزول السَّكِينَةَ والتعريض بالفتح القريب. والسَّكِينَةَ هنا تقرير قلوبهم وتذليلها لقبول أمر الله تعالى والصبر له.
وقرأ الناس: «وأثابهم» قال هارون وقد قرئت: «وأتابهم» بالتاء بنقطتين والفتح القريب: خيبر، وذلك أن رسول الله ﷺ انصرف بالمؤمنين إلى المدينة وقد وعده الله بخيبر وخرج إليها لم يلبث، قال أبو جعفر النحاس، وقد قيل: الفتح القريب: فتح مكة، والمغانم الكثيرة: فتح خيبر.
وقرأ يعقوب في رواية رويس: «تأخذونها» على مخاطبتهم بالتاء من فوق. وقرأ الجمهور:
«يأخذونها» على الغيبة.
واختلف في عدة المبايعين فقيل: ألف وخمسمائة، قاله قتادة، وقيل: وأربعمائة قاله جابر بن عبد الله، وقيل: وخمسمائة وخمسة وعشرون، قاله ابن عباس، وقيل: وثلاثمائة قاله ابن أبي أوفى، وقيل غير هذا مما ذكرناه من قبل، وأول من بايع في ذلك رجل من بني أسد يقال له أبو سنان بن وهب قاله الشعبي.
قوله عز وجل:
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٢٠ الى ٢٤]
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤)
قوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ الآية مخاطبة للمؤمنين ووعد بجميع المغانم التي أخذها المسلمون ويأخذونها إلى يوم القيامة، قاله مجاهد وغيره.
وقوله: فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يريد خيبر، وقال زيد بن أسلم وابنه، المغانم الكثيرة: خيبر، و: هذِهِ إشارة إلى البيعة والتخلص من أمر قريش، وقاله ابن عباس: وقوله وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ يريد من ولي عورة المدينة بعد خروج النبي ﷺ والمؤمنين منها، وذلك أنه كان من أحياء العرب ومن اليهود من يعادي وكانت قد أمكنتهم فرصة فكفهم الله عن ذراري المسلمين وأموالهم، وهذه للمؤمنين العلامة على أن الله ينصرهم ويلطف لهم، قاله قتادة. وحكى الثعلبي أنه قال: كف الله غطفان ومن معها عن النبي ﷺ حين جاؤوا لنصر أهل خيبر، وذكره النقاش وقال الثعلبي أيضا عن بعضهم إنه أراد كف قريش.
وقوله: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قال عبد الله بن عباس: الإشارة إلى بلاد فارس والروم. وقال الضحاك: الإشارة إلى خيبر. وقال قتادة والحسن: الإشارة إلى مكة، وهذا هو القول الذي يتسق معه المعنى ويتأيد.
وقوله: قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها معناه بالقدرة والقهر لأهلها، أي قد سبق في علمه ذلك وظهر فيها أنهم لم يقدروا عليها.
وقوله: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ إشارة إلى قريش ومن والاها في تلك السنة، قاله قتادة، وفي هذا تقوية لنفوس المؤمنين، وقال بعض المفسرين: أراد الروم وفارس.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وإنما الإشارة إلى العدو الأحضر.
وقوله: سُنَّةَ اللَّهِ إشارة إلى وقعة بدر، وقيل إشارة إلى عادة الله من نصر الأنبياء قديما، ونصب سُنَّةَ على المصدر، ويجوز الرفع ولم يقرأ به.
وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ الآية، روي في سببها أن قريشا جمعت جماعة من فتيانها وجعلوهم مع عكرمة بن أبي جهل وخرجوا يطلبون غرة في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلف الناس في عدد هؤلاء اختلافا متفاوتا، فلذلك اختصرته فلما أحس بهم المسلمون بعث رسول الله ﷺ في أثرهم خالد بن الوليد وسماه حينئذ سيف الله في جملة من المسلمين، ففروا أمامهم حتى أدخلوهم بيوت مكة وأسروا منهم جملة، فسيقوا إلى رسول الله ﷺ فمن عليهم وأطلقهم، فهذا هو أن كف الله أيديهم عن المسلمين بالرعب وكف أيدي المسلمين عنهم بالنهي في بيوت مكة وغيرها وذلك هو «بطن مكة». وقال قتادة: أسر النبي الله ﷺ هذه الجملة بالحديبية عند عسكره ومن عليهم، وذلك هو «بطن مكة». قال النقاش: الحرام كله مَكَّةَ، والظفر عليهم هو أسر من أسر منهم، وباقي الآية تحريض على العمل الصالح، لأن من استشعر أن الله يبصر عمله أصلحه.
وقرأ الجمهور من القراء: «بما تعملون» بالتاء على الخطاب. وقرأ أبو عمرو وحده: «بما يعملون» بالياء على ذكر الكفار وتهددهم.
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي
عبد السلام عبد الشافي محمد