ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

هذه آيات آدّب الله تعالى بها عباده المؤمنين، فيما يعاملون به الرسول ﷺ من التوقير والاحترام، والتبجيل والإعظام، فقال تبارك وتعالى : ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ أي لا تسرعوا في الأشياء بين يديه أي قبله، بل كونوا تبعاً له في جميع الأمور، قال ابن عباس : نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه، وقال مجاهد : لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ بشيء حتى يقضي الله تعالى على لسانه، وقال الضحّاك : لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله من شرائع دينكم، وقال الحسن البصري : لا تدعوا قبل الإمام، وقال قتادة : ذكر لنا أن ناساً كانوا يقولون : لو أنزل كذا وكذا، لو صح كذا، فكره الله تعالى ذلك، واتقوا الله فيما أمركم به إِنَّ الله سَمِيعٌ أي لأقوالكم عَلِيمٌ بنياتكم، وقوله تعالى : ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ ترفعوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي هذا أدب ثان أدّب الله تعالى به المؤمنين، أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي ﷺ فوق صوته، وقد روي أنها نزلت في الشيخين ( أبي بكر ) و ( عمر ) رضي الله عنهما، روى البخاري عن ابن أبي مليكة قال :« كاد الخيّران أن يهلكا ( أبو بكر ) و ( عمر ) رضي الله عنهما، رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ، حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس رضي الله عنه أخي بني مجاشع، وِأشار الآخر برجل آخر، قال نافع : لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما : ما أردت إلاّ خلافي، قال : ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله تعالى : ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ ترفعوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ قال ابن الزبير : فما كان عمر رضي الله عنه يسمع رسول الله ﷺ بعده هذه الآية حتى يستفهمه » وفي رواية أخرى له قال :« قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ فقال أبو بكر رضي الله عنه : أمرّ ( القعقاع بن معبد )، وقال عمر رضي الله عنه : بل أمرّ ( الأقرع بن حابس ) فقال أبو بكر رضي الله عنه : ما أردت إلاّ خلافي، فقال عمر رضي الله عنه ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما : فنزلت في ذلك : ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ حتى انقضت الآية وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حتى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ [ الحجرات : ٥ ] الآية »، أخرجه البخاري.
وروى الحافظ البزار، عن أبي بكر رضي الله عنه قال :

صفحة رقم 2377

« لما نزلت هذه الآية : ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ ترفعوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي قلت : يا رسول الله والله لا أكلمك إلاّ كأخي السرار » وروى البخاري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه :« أن النبي ﷺ افتقد ( ثابت بن قيس ) رضي الله عنه، فقال رجل : يا رسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده في بيته منكساً رأسه، فقال له : ما شأنك؟ فقال : شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عمله فهو من أهل النار، فأتى الرجل النبي ﷺ فأخبره أنه قال : كذا وكذا، قال موسى : فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال :» اذهب إليه فقل له : إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة « ».
وروى الإمام أحمد، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :« لما نزلت هذه الآية : ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ ترفعوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي إلى قوله وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ، وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت، فقال : أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ، أنا من أهل النار، حبط عملي، وجلس في أهله حزيناً، ففقده رسول الله ﷺ، فانطلق بعض القوم إليه، فقالوا : له : تَفقَّدك رسول الله ﷺ، مالك؟ قال : أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ وأجهر له بالقول، حبط عملي أنا من أهل النار، فأتوا النبي ﷺ فأخبروه بما قال، فقال النبي ﷺ :» لا، بل هو من أهل الجنة «. قال آنَس رضي الله عنه : فكنا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس، وقد تحنط ولبس كفنه، فقال : بئسما تعوّدون أقرانكم، فقاتلهم حتى قتل رضي الله عنه. وفي رواية : فقال له النبي ﷺ :» أما ترضى أن تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة؟ « فقال : رضيت ببشرى الله تعالى ورسوله ﷺ، ولا أرفع صوتي أبداً على صوت رسول الله ﷺ »، قال : وأنزل الله تعالى : إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله أولئك الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى الآية.
وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين، كذلك فقد نهى الله عزَّ وجلَّ عن رفع الأصوات بحضرة رسول الله ﷺ، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي ﷺ قد ارتفعت أصواتهما فجاء، فقال : أتدريان أين أنتما؟ ثم قال : من أين أنتما؟ قال : من أهل الطائف، فقال : لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً.

صفحة رقم 2378

وقال العلماء : يكره رفع الصوت عند قبره ﷺ كما كان يكره في حياته ﷺ، لأنه محترم حياً، وفي قبره ﷺ، ثم نهى عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه ممن عداه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم، ولهذا قال تبارك وتعالى : وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ، كما قال تعالى : لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [ النور : ٦٣ ]، وقوله عزّ وجل : أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده، خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري، كما جاء في الصحيح :« إن الرجل ليتكلم الكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالاً يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض »، ثم ندب الله تعالى إلى خفض الصوت عنده وحث على ذلك ورشد إليه ورغب فيه، فقال : إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله أولئك الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى أي أخلصها لها وجعلها أهلاً ومحلاً لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ . وعن مجاهد قال : كُتِب إلى عمر، يا أمير المؤمنين رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فكتب عمر رضي الله عنه : إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها أولئك الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ .

صفحة رقم 2379

تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية