ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

يقول الحق جلّ جلاله : يا أيها الذين آمنوا تصدير الخطاب بالنداء، تنبيهُ المخاطبين على أنَّ في حيّزه أمر خطير يستدعي اعتنائهم بشأنه، وفرط اهتمامهم بتلقيه ومراعاته، ووصفهم بالإيمان لتنشيطهم، والإيذان بأنه داع إلى المحافظة عليه ووازع عن الإخلال به، لا تُقدِّموا أي : لا تفعلوا التقديم، على ترك المفعول للقصد إلى نفس الفعل من غير اعتبار تعلقه بأمرٍ من الأمور، على طريقة قولهم : فلان يعطي ويمنع، أو : لا تُقدّموا أموراً من الأمور، على حذف المفعول، للعموم، أو : يكون التقديم بمعنى التقدُّم، من " قدّم " اللازم، ومنه : مقدمة الجيش، للجماعة المتقدَّمة، ويؤيده قراءة مَن قرأ :( لا تَقدَّموا ) بحذف إحدى التاءين، أي : لا تتقدموا بين يدي اللّهِ ورسولهِ أي : لا تقطعوا أمراً قبل أن يحكما به، وحقيقة قولك : جلست بين يدي فلان : أن تجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريباً منه، فسُميت الجهتان يدين ؛ لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما، توسعاً، كما يُسمّى الشيء باسم غيره إذا جاوره.
وفي هذه العبارة ضرب من المجاز الذي يُسمى تمثيلاً، وفيه فائدة جليلة، وهي : تصوير الهُجْنَةِ والشناعة فيما نُهوا عنه من الإقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة. ويجوز أن يجري مجرى قولك : سرَّني زيد وحُسْنُ ماله، فكذلك هنا المعنى : لا تُقدِّموا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم : وفائدة هذا الأسلوب : الدلالة على قوة الاختصاص، ولمَّا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله بالمكان الذي لا يخفى ؛ سلك به هذا المسلك، وفي هذا تمهيد لما نُقِم منهم من رفع أصواتهم فوق صوته ؛ لأن مَن فضَّله الله بهذه الأَثْرة، واختصه بهذا الاختصاص، كان أدنى ما يجب له من التهيُّب والإجلال : أن لا يُرفع صوتٌ بين يديه، ولا يُقطع أمر دونه، فالتقدمُ عليه تَقَدمٌ على الله ؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، فينبغي الاقتداء بالملائكة ؛ حيث قيل فيهم : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ. . [ الأنبياء : ٢٧ ] الخ.
قال عبد الله بن الزبير : قَدِمَ وفد من تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر : لو أمَّرت عليهم القعقاع بن معبد، وقال عمر : يا رسول الله ؛ بل أَمِّر الأقرعَ بن حابس ؛ فقال أبو بكر : ما أردتُ إلا خلافي، وقال عمر : ما أردتُ خِلافَك، وارتفعت أصواتهما، فنزلت١. فعلى هذا يكون المعنى : لا تُقَدِّموا وُلاةً، والعموم أحسن كما تقدّم. وعبارة البخاري :" وقال مجاهد :( لا تقُدموا ) لا تَفْتاتُوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يَقضي اللّهُ - عزّ وجل - على لسانه " ٢. وعن الحسن : أن ناساً ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة، فنزلت، فأمرهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا٣، وعن عائشة : أنها نزلت في النهي عن صوم يوم الشك٤.
واتقوا اللّهَ في كل ما تأتون وتذرون من الأحوال والأفعال، التي من جملتها ما نحن فيه، إِنَّ اللّهَ سميع لأقوالكم عليم بأفعالكم، فمن حقِّه أن يُتَّقى ويُراقَب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : على هذه الآية والتي بعدها اعتمد الصوفية فيما دوَّنوه من آداب المريد مع الشيخ، وهي كثيرة أُفردت بالتأليف، وقد جمع شيخنا البوزيدي الحسني رضي الله عنه كتاباً جليلاً جمع فيه من الآداب ما لم يُوجد في غيره، فيجب على كل مريد طالب للوصول مطالعتُه والعملُ بما فيه.
والذي يُؤخذ من الآية : أنه لا يتقدم بين يدي شيخه بالكلام، لاسيما إذا سأله أحدٌ، فمِن الفضول القبيح أن يسبق شيخَه بالجواب، فإنَّ السائل لا يرضى بجواب غير الشيخ، مع ما فيه من إظهار علمه، وإشهار شأنه، والتقدم على شيخه. ومن ذلك أيضاً : ألاَّ يقطع أمراً دون مشورته، ما دام تحت الحجرية، وألاَّ يتقدم أمامه في المشي إلا بإذنه، وأن يغضّ صوته عند حضوره، بل لا يتكلم إلا أن يأذن له في الكلام، ويكون بخفض صوت وتعظيم.
قلت : وما زالت أشياخنا تأمرنا بالتكلم عند المذاكرة ؛ إذ بالكلام تُعرف أحوال الرجال، وسَمِعتُ شيخ شيخنا، مولاي العربي الدرقاوي الحسني رضي الله عنه يقول : حُكّونا في المذاكرة ؛ ليظهر العلم، وكونوا معنا كما قال القائل : حك لي نربل لك، لا كما قال القائل : سَفِّجْ لي نعسل لك. هـ. لكن يكون بحثُه مع الشيخ على وجه الاسترشاد والاستعلام، من غير معارضة ولا جدال، وإلا فالسكوت أسلم.
قال القشيري : لا تُقدّموا بين يَدي الله ورسوله لا تعملوا في أمر الدين من ذات أنفسكم شيئاً، وقفوا حيثما وُقِفْتم، وافعلوا ما به أُمِرْتُم، أي : اعملوا بالشرع لا بالطبع في طلب الحق، وكونوا من أصحاب الاقتداء والاتباع، لا من أرباب الابتداء أو الابتداع.
وقال في قوله تعالى : لا ترفعوا أصواتَكم... الآية، يُشير إلى أنه من شرط المؤمن : ألا يرى رأيَه وعقلَه واختيارَه فوق رأي النبي والشيخ، ويكون مستسلماً لرأيه، ويحفظ الأدب في خدمته وصحبته، ولا تجهرا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أي : لا تخاطبوه كخطاب بعضكم لبعض، بل خاطبوه بالتعظيم والتبجيل، ولا تنظروا إليه بالعين التي تنظرون إلى أمثالكم، وإنه لحُسْن خُلقه قد يُلاعبكم، فلا تنبسطوا معه، متجاسرين عليه بما يُعاشركم من خُلقه، ولا تَبدأوه بحديث حتى يُفاتحكم، أن تحبط أعمالكم بسوء أدبكم، وأنتم لا تشعرون. إنَّ الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله وعند شيخه أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، أي : انتزع عنها حبّ الشهوات، وصفّاها من دنس سوءِ الأخلاق، وتخلقت بمكارم الأخلاق، حتى انسلختْ من عادات البشرية. هـ.
وقال في القوت : الوقاية مقرونة بالنصرة ؛ فإذا تولاَّه نَصَره على أعدائه، وأعْدى عدُوه نفْسُه، فإذا نَصَره عليها، أخرج الشهوة منها، فامتحنَ قلبَه للتقوى، ومحّض نفسَه، فخلّصها من الهوى. هـ.



١ أخرجه البخاري في تفسير سورة ٤٩، حديث ٤٨٤٧..
٢ أخرجه البخاري في تفسير سورة ٤٩، حديث ٤٨٤٨..
٣ أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٦/٨٦..
٤ أخرجه السيوطي في الدر المنثور٦/٨٦..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير