ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

قوله :«رزْقاً » يجوز أن يكون حالاً أي مرزوقاً للعباد أي ذا رزق، وإن يكون مصدراً من معنى أنْبَتْنَا ؛ لأن إنبات هذه رزق فكأنه قال : أنبتناها إنباتاً للعباد١ ويجوز أن تكون مفعولاً له٢ للعباد، إمّا صفة، وإما متعلق بالمصدر، وإِما مفعولاً للمصدر، واللام زائدة، أي رِزْقاً العبادَ.

فصل


قال ابن الخطيب : ما الحكمة في قوله عند خلق السماء والأرض :«تَبْصِرَةً وذِكْرَى » وفي الثمار قال :«رِزْقاً » والثمار أيضاً فيها تبصرة وفي السماء والأرض أيضاً منفعة غير التبصرة والتذكرة ؟
نقول : فيه وجوه :
أحدها : أن الاستدلال وقع لوجود أمرين : أحدهما الإعادة، والثاني : البقاء بعد الإعادة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم ٣- كان يخبرهم بحشر وجمع يكون بعده الثواب الدائم، والعقاب الدائم، وأنكروا ذلك، فقال أما الأوّل فالله القادر على خلق السماوات والأرض قادر على خلق الخلق بعد الفناء، وأما الثاني فلأن البقاء في الدنيا بالرزق والقادر على إخراج الأرزاق من النّخل٤ والشجر قادر على أن يرزق بعد الحشر فكان الأوَّل تبصرةً وتذكرةً بالخلق، والثاني تذكرة بالبقاء بالرزق، ويدل على هذا الفصل بينهما بقوله تعالى : تبصرة وذكرى حيث ذكر ذلك بعد الآيتين، ثم بدأ بذكر الماء وإنزاله وإنبات النبات.
ثانيها : منفعة الثمار الظاهرة وهي الرزق فذكرها، ومنفعة السماء الظاهرة ليست أمراً عائداً إلى انتفاع العباد لبعدها عن ذهنهم حتى أنهم لو توهموا عدم الزرع والثمر لظنوا أن يهلكوا ولو توهموا عدم السماء فوقهم لقالوا : لا يضرنا ذلك مع أن الأمر بالعكس أولى لأنّ السماء سبب الأرْزاق بقدرة الله تعالى، وفيها منافع غير ذلك والثمار وإن لم تكن كان٥ العيش كما أنزل الله على قوم المنَّ والسلوى، وعلى قوم المائدة من السماء فذكر الأظهر للناس في هذا المواضع.
ثالثها : قوله : رزْقاً إشارة إلى كونه منعماً ليكون تكذيبهم في غاية القبح فإنه يكون إشارة بالمنعم وهو أقبح ما يكون.

فصل


قال : تبصرة وذكرى لكل عبد منيب فقيّد العبد بكونه منيباً، لأنّ العبودية حصلت لكل أحد غير أن المنيب يأكل ذاكراً شاكراً للإنعام وغيره يأكل كما تأكل الأنْعام، فلم يخصص بقيدٍ٦.
قوله :«فَأَحْيَيْنَا بِهِ » أي بالماء و«مَيْتاً » صفة ل «بَلْدَةً » ولم يؤنث٧ حملاً على معنى المكان٨. والعامة على التخفيف. وأبو جعفر وخالد بالتَّثْقِيلِ٩.
فإن قيل : ما الفرق بين هذا الموضع وبين قوله : وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة حيث أثبت ( الهاء ) ١٠ هناك ؟
فالجواب : أن الأصل في الأرض الوصف فقال الميتة، لأن معنى الفاعلية ظاهرٌ هناك والبلدة الأصل فيها الحياة لأن الأرض إذا صارت حية صارت آهلة وأقام بها القوم وعَمَرُوهَا فصارت بلدة فأسقط الهاء لأن معنى١١ الفاعلية ظاهر فيثبت١٢ فيه الهاء، وإذا كان بمعنى الفاعل لم يظهر لا يثبت فيه الهاء، ويحقق١٣ هذا قوله : بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ [ سبأ : ١٥ ] حيث أثبت الهاء حيث ظهر معنى الفاعلية ولم يثبت حيث لم يظهر١٤.
قوله :«كَذَلِكَ الْخُرُوجُ » أي من القبور أي كالإحياء الخروج.
فإن قيل : الإحياء يشبه به الإخراج لا الخروج ؟
فالجواب : تقديره أحيينا به بلدةً ميْتاً فتشققت وخرج منها النبات كذلك تَتَشققُ ويخرج منها الأموات.
قال ابن الخطيب : وهذا يؤكد قولنا : إن الرَّجْعَ بمعنى الرجوع في قوله : ذلك رجع بعيد ؛ لأنه تعالى بين لهم ما استبعدوه فلو استبعدوا الرجع الذي هو من المتعدي لناسبهُ أن يقول : كذلك الإخراج فلما قال : كذلك الخروج فهم أنهم أنكروا الرجوع فقال : كذلك الرجوع والخروج١٥.
١ قال بهذين الوجهين العكبري في مرجعه السابق..
٢ الكشاف ٤/٥..
٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤ في الرازي: النجم..
٥ كذا في النسختين والأصح: ما كان العيش..
٦ وانظر في هذا كله تفسير الإمام ٢٨/١٥٨..
٧ أي الميت..
٨ ولو قال: ميتة لجاز قاله القرطبي في الجامع ١٧/٧..
٩ وهي شاذة..
١٠ وهي شاذة ذكرت في البحر ٨/١٢٢ ومختصر ابن خالويه ١٤٤ والإتحاف ٣٩٨. وما بين القوسين سقط من (ب) وفي الرازي: التاء وليس الهاء..
١١ في (ب) نص..
١٢ وفيها تنبت..
١٣ وفيها: وتحقيق..
١٤ وانظر الرازي ٢٨/١٦٠..
١٥ وانظر الرازي ٢٨/١٦٠..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية