{ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج( ٦ ) والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج( ٧ )تبصرة وذكرى لكل عبد منيب( ٨ )ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد( ٩ )والنخل باسقات لها طلع نضيد( ١٠ )
رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج }( ق : ٦-١١ ).
تفسير المفردات : بنيناها : أي أحكمنا بناءها، فجعلناها بغير عمد، وزيناها : أي بالكواكب، فروج : أي شقوق.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر أنهم استبعدوا البعث فقالوا : رجع بعيد – أردف ذلك الدليل الذي يدحض كلامهم، فإن من خلق السماء وزينها بالكواكب، وبسط الأرض وجعل فيها رواسي وأنبت فيها صنوف النبات، وجعل ذلك تذكرة وتبصرة لأولي الألباب، ونزل من السماء ماء فأنبت به ناضر الجنان، والزرع المختلف الأصناف والألوان، والنخل الباسق ذا الطلع المتراكم بعضه فوق بعض رزقا لعباده، وأحيا به الأرض الموات – أفلا يستطيع من هذا شأنه أن يخرج الناس من قبورهم بعد بلاهم، وبعد أن يصيروا عظاما ورفاثا، وينشئهم خلقا آخر في حياة أخرى وعالم غير هذا العالم ؟
الإيضاح : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج أي أفلم ينظر هؤلاء المكذبون بالبعث بعد الموت، المنكرون قدرتنا على إحيائهم بعد البلى – إلى السماء فوقهم كيف رفعناها بلا عمد، وزيناها بالكواكب وما لها من فتوق، فهي ملساء متلاصقة الطباق، وهذا هو الرأي الحديث في عالم السماوات، إذ يقولون : إن هناك عالما لطيفا أرق من الهواء وألطف من كل ما نراه وهو مبدأ كل شيء وأول كل شيء وهو العالم المسمى بالأثير، وهذا العالم وإن لم يره الناس فقد عرفوه من وصول أضواء الكواكب إلينا، فإن من الكواكب ما لا يصل ضوءه إلينا إلا فيما يزيد عن ألف ألف سنة، ونور الشمس( التي تبعد عنا مقدار سير القطار إليها لو أمكن في نحو خمس وستين وثلاثمائة سنة ) يصل إلينا في مدة ثمان دقائق وثماني عشرة ثانية.
فانظر كيف يكون بعد تلك الكواكب التي تحتاج بسير النور إلى مليون سنة ونصف مليون ؛ ألا يدل هذا على أن ذلك الضوء محمول على شيء موجود وهو الأثير فلو أن طبقة من الطبقات لم يكن فيها الأثير لانقطع سير النور إلى الأرض ولم نره.
وهذا ما يشير إليه الكتاب بقوله : وما لها من فروج فلو كان هناك فروج تتخلل السماوات لانقطع سير النور إلينا.
وآراء الجهلة في كل أمة أن كل سماء منفصلة عن الأخرى وبينهما فضاء كما يظن لأول وهلة فيما بيننا وبين السماء، فجاء الكتاب الكريم وعكس هذه القضية وقال لا فروج في السماء أي لا خلاء في العالم.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر أنهم استبعدوا البعث فقالوا : رجع بعيد – أردف ذلك الدليل الذي يدحض كلامهم، فإن من خلق السماء وزينها بالكواكب، وبسط الأرض وجعل فيها رواسي وأنبت فيها صنوف النبات، وجعل ذلك تذكرة وتبصرة لأولي الألباب، ونزل من السماء ماء فأنبت به ناضر الجنان، والزرع المختلف الأصناف والألوان، والنخل الباسق ذا الطلع المتراكم بعضه فوق بعض رزقا لعباده، وأحيا به الأرض الموات – أفلا يستطيع من هذا شأنه أن يخرج الناس من قبورهم بعد بلاهم، وبعد أن يصيروا عظاما ورفاثا، وينشئهم خلقا آخر في حياة أخرى وعالم غير هذا العالم ؟
تفسير المراغي
المراغي