أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج١( ٦ ) والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي٢ وأنبتنا فيها من كل زوج٣ بهيج٤( ٧ ) تبصرة وذكرى لكل عبد منيب( ٨ ) ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد٥( ٩ ) والنخل باسقات٦ لها طلع٧ نضيد٨( ١٠ ) رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج( ١١ ) [ ٦-١١ ].
والآيات متصلة بسابقاتها بقرينة جملة أفلم ينظروا التي تنصرف إلى الكفار الذين حكت الآيات السابقة عجبهم من رسالة النبي واستبعادهم البعث الأخروي. وهي بسبيل البرهنة على قدرة الله. والسؤال الذي بدأت به الآيات استنكاري : يتضمن التنديد بالجاحدين لإنكارهم قدرة الله بينما يرون آثارها العظيمة ماثلة أمامهم في السماء وبديع خلقها وزينتها، والأرض ورواسيها وصنوف نباتها وأشجارها والمطر المبارك الذي ينزل من السماء فينبت به الشجر والحب وتحيا به الأرض بعد موتها ويعرفون أن ذلك من آثار تلك القدرة، وليس البعث بأعظم من ذلك.
ولقد حكى القرآن اعترافهم بأن الله هو الذي خلقهم وأنه هو الذي خلق السماوات والأرض، على ما أوردنا شواهده القرآنية في السورة السابقة وبذلك تستحكم حجة الله فيهم.
ولقد أشير في آيات أخرى إلى تزيين الله سبحانه السماء بالكواكب منها : آية سورة الصافات هذه : إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب٦ حيث يمكن القول إن العبارة القرآنية هنا قد قصدت ذلك.
وجملة أفلم ينظروا التي بدأت بها الآيات، قد تفيد أن ما لفت نظر السامعين أو الجاحدين إليه فيها من بديع خلق الله ونواميس كونه ولا سيما عدم وجود شقوق في السماء وزينتها مطابق لما كان في أذهانهن عنها. وبذلك تستحكم كذلك حجة القرآن فيهم من هذه الناحية أيضا.
ولقد انطوت الآية الأخيرة على تشبيه إحياء الأرض بالماء بعد موتها بالبعث الأخروي. وعلى دليل على قدرة الله عز وجل على هذا البعث. فالماء الذي ينزله الله تعالى من السماء يثير في الأرض الميتة الجافة مظاهر الحياة المتنوعة. والذي يقدر على ذلك يقدر بطبيعة الحال على بعث الناس بعد موتهم. وقد تكرر هذا البرهان التشبيهي المقتطع من مشاهدات الناس في المناسبات المماثلة، ومن ذلك ما جاء في آية سورة الروم هذه : فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير٥٠ وما جاء في آية سورة الأعراف هذه : وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون٥٧ .
ويلفت النظر الأسلوب البسيط القوي المسترعي للأذهان والحس الذي أشير به إلى المشاهد والنواميس الكونية، والذي هو سائغ لجميع الناس على اختلاف طبقاتهم فلا يقصر أحد به عن إدراك ما في تلك المشاهد والنواميس من عظمة ونفع وقوام حياة وبرهان، ولا يتردد أحد في رد ذلك إلى قدرة الله ورحمته، والإقناع بأنها ليست في نطاق قدرة ما غير قدرة الله عز وجل الخالق البارئ المصور الرازق، وبأن الله يقدر على هذا يقدر على كل شيء بما في ذلك بعث الناس يوم القيامة ومحاسبتهم ومجازاتهم حسب أعمالهم لأن ذلك من مقتضيات عدل الله وحكمته.
وهذا الأسلوب تكرر في كل المناسبات والآيات المماثلة. وهو أسلوب مخاطبة العقل والقلب والبصر والحس والبرهان الحي الماثل لكل الناس من جميع الطبقات وفي كل زمن ومكان.
ومادام أن هذا الأسلوب في عرض مشاهد الكون والطبيعة في القرآن قد قصد به استرعاء الأذهان والأبصار إلى عظمة الله وقدرته والبرهنة على أنه هو وحده المستحق للعبادة والاتجاه عبر ما يلمسه السامعون ويشاهدونه ويعرفون مداه، فالأولى إبقاؤه في هذا النطاق وعدم محاولة الخروج منه إلى بحوث فنية والتوفيق بين ما ورد في القرآن من هذه المشاهد وبين ما عرف فنيا من ذلك، لأن ذلك مما يخرج القرآن عن هدفه الوعظي والتذكيري ويعرضه للنقاش فيما لم يقصد إليه.
وبعض المسلمين يفعلون ذلك بسبيل البرهنة على أن القرآن احتوى كثيرا مما ظهرت صحته ومداه فنيا، ومن الحق أن نذكر أن فيما يفعلونه أحيانا كثيرة تجوزا وتمحلا. ونحن لا نرى ذلك ضروريا لإثبات صحة الوحي القرآني وصدق ما احتواه. ففي أساليب القرآن ومحتوياته ما فيه أقوى إثبات لمن يكون حسن النية وراغبا في الإيمان بالله وكتابه. أما غيرهم فإنه يجد دائما ما يورده على من يحاول استخراج نواميس الكون والطبيعة من القرآن. في حين أن هذه المحاولة ليست من ضروريات الدين والإيمان وليست متسقة مع أهداف ما في القرآن من ذلك.
هذا، والمتبادر أن الآية السابقة قد جاءت استطرادية أو تنبيهية ؛ لتهتف بأن في كل هذه المشاهد الكونية والنعم الربانية تبصرة وذكرا لمن حسنت نيته ورغب في الحق وأراد الإنابة إلى الله تعالى ؛ حيث يرى في كل ذلك دلائل قدرة الله وعظمته فلا يبقى له مندوحة عن الاستجابة لدعوته. وهي بهذا الشرح متساوقة مع الأسلوب الذي نبهنا عليه آنفا.
التفسير الحديث
دروزة