ثم ذكر أضدادهم، فقال :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ .
يقول الحق جلّ جلاله : إِنَّ المتقين في جناتٍ وعيون عظيمة، لا يبلغ كُنهها، ولا يُقادر قدرها، ولعل المراد بها الأنهار الجارية، بحيث يرونها، ويقع عليها أبصارهم، لا أنهم فيها.
قال القشيري : كانوا قبل وجودهم محسنين، وإحسانهم : كانوا يُحبون الله بالله، يحبهم ويحبونه وهم في العدم، ولمَّا حصلوا في الوجود، كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، كأنَّ نومهم عبادة، لقوله عليه الصلاة والسلام :" نوم العالم عبادة " ٣، فمن َيكون في العبادة لا يكون نائماً، وهجوع القلب : غفلته، وقلوبهم في الحضرة، ناموا أو استيقظوا، فغفلتهم بالنسبة إلى حضورهم قليلة. وقال سهل رضي الله عنه : أي : كانوا لا يغفلون عن الذكر في حال، يعني هجروا النوم ؛ لوجود الأُنس في الذكر، والمراد بالنوم : نوم القلب بالغفلة.
وبالأسحار هم يستغفرون ، قال القشيري : أخبر عن تهجدهم، وقلة دعاويهم، وتنزُّلهم بالأسحار، منزلةَ العاصين، تصغيراً لقدرهم، واحتقاراً لفعلهم. ثم قال : والسهر لهم في لياليهم دائم، إما لفرط لهف، أو شدة أسف، وإما لاشتياق، أو للفراق، كما قالوا٤ :
وإما لكمال أُنس، وطيب روح، كما قالوا :كم ليلةٍ فيك لا صباحَ لها أفنيْتُها قابضاً على كبدي قد غُصَّت العين بالدموع وقد وضعتُ خدي على بنانِ يدي
هـ. سقى الله عيشاً قصيراً مضى زمانَ الهوى في الصبا والمجون لياليه تحكي انسدادَ لحاظٍ لعيْنيّ عند ارتداد الجفون
وفي أموالهم حق للسائل والمحروم أي : هم يُواسون مَنْ قصدهم بالحس والمعنى، فيبذلون ما خوّلهم الله من الأموال، للسائل والمتعفف، وما خوّلهم الله من العلوم، للطالب والمعرض، وهو المحروم، فيقصدونه بالدواء بما أمكن ؛ فإنهم أطباء، والطبيب يقصد المريض أينما وجده، شفقةً ورحمة، ونُصحاً للعباد. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي