ﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

قوله :«آخِذِينَ » حال من الضمير في قوله :«جَنَّاتٍ » و«مَا آتَاهُمْ » يعني مما في الجنة فيكون حالاً حقيقية، وقيل : مَا آتاهُمُ من أوامره ونواهيه فيكون في الدنيا فتكون حالاً محكيةً، لاختلاف الزمانين١.
وجعل الجار خبراً، والصفة فضلة، وعكس هذا في قوله تعالى : إِنَّ المجرمين فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ، قيل : لأن الخبر مقصور الجملة، والغَرَضُ هناك الإخبار عن تخليدهم، لأن المؤمن قد يدخل النار، ولكن لا بد من خروجه، وأما آية المتقين، فجعل الظرف فيها خبراً لأمنهم الخروج منها، فجعل ذلك محط الفائدة ليحصل لهم الطمأنينة فانتصبت الصفة حالاً٢.

فصل


اعلم أنه تعالى وحد الجنة تارة، قال تعالى : مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون [ الرعد : ٣٥ ] و[ محمد : ١٥ ] وأخرى جمعها كقوله ههنا : إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ ٣ وتارة ثَنَّاها، قال تعالى : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [ الرحمان : ٤٦ ]، والحكمة فيه أن الجنة في توحيدها لاتصال المنازل والأشجار والأنهار كجنة واحدة، وأما جمعها فلأنها بالنسبة إلى الدنيا وبالإضافة إليها جنّات لا يحصرها عدد، وأما تثنيتها فسيأتي في سورة الرحمان.
قال ابن الخطيب : غيرَ أنَّا نقول ههنا : إن الله تعالى عند الوعد وحَّد الجنة وعند الإعطاء جمعها إشارة إلى أن الزيادة في الوعد موجودة بخلاف ما لو وعد بجَنَّات ثم يقول إنه في جنة، لأنه دون الموعود، وقوله :«وَعُيُونٍ » يقتضي أن يكون المُتَّقِي فيها ولا لذة في كون الإنسان في ماءٍ ؛ فالمعنى في خلال العيون، أي بين الأنهار كقوله :«في جَنَّاتٍ » معناه بين الجنات وفي خلالها ؛ لأن الجنة هي الأحجار، ونكرها مع كونها معرفة للتعظيم كقولك : فُلاَنٌ رَجُلٌ أي عظيم في الرجولة٤.
ومعنى :«آخذين » أي قابضين ما آتاهم شيئاً فشيئاً ولا يستوفونه بكماله، لامتناع استيفاء ما لا نهاية له. وقيل : معنى آخذين أي قابلين قبول راضٍ كقوله تعالى : وَيَأْخُذُ الصدقات [ التوبة : ١٠٤ ] أي يقبلها، قاله الزمخشري٥. وقال ابن الخطيب : وفيه وجه ثالث، وهو أن قوله : فِي جَنَّاتٍ يدلّ على السُّكْنَى حيث قال : آخِذينَ بلادَ كذا، أو قَلْعَة كذا، أي دخلها متملّكاً لها، وكذا يقال لمن اشترى داراً أو بستاناً أخذه بثمن قليلٍ أي تملكه، وإن لم يكن هناك قبص حسًّا ولا قبول برِضًى.
وحيئذ فائدته بيان أن دخولهم فيها ليس دخول مستعيرٍ أو من٦ يسترد منه ذلك بل هو ملكُه الذي اشتراه بماله ونفسه من الله. وقوله :«آتاهُمْ » لبيان ( أن ) ٧ أخذهم ذلك لم يكن عَنْوَةً، وإنما نال ذلك بإعطاء الله تعالى. وعلى هذا الوجه «ما » راجعة إلى الجَنَّاتِ والعُيُون.
وقوله : إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ إشارة إلى أنهم أخذوها بثَمنها وملكوها بالإحسان في الدنيا، والإشارة بذلك إما لدخول الجنة، وإما لإيتاء الله، وإما ليوم الدين، والإحسان هو قول لا إله إلا الله ؛ ولهذا قيل في معنى كلمة التقوى : إنها لا إله إلا الله، وفي قوله تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى الله [ فصلت : ٣٣ ] وقوله : هَلْ جَزَاءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان [ الرحمان : ٦٠ ] هو الإتيان بكلمة لا إله إلا الله.
١ بالمعنى من البحر المحيط ٨/١٣٥..
٢ وانظر: التبيان لأبي البقاء ١١٧٩..
٣ تلك الآية وغيرها..
٤ وانظر: تفسير الرازي ٢٨/٣٠٠..
٥ الكشاف ٤/١٥..
٦ في الرازي: أو ضعف يسترد منه ذلك..
٧ سقط من ب..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية