قوله : فِي رَقِّ يجوز أن يتعلق «بمَسْطُورٍ » ؛ أي مكتوب في رَقٍّ١. وجوَّز أبو البقاء٢ أن يكون نعتاً آخر لكتاب٣ وفيه نظر ؛ لأنه يشبه تَهْيئَةَ العَامِلِ للعَمَلِ وقطْعِهِ منْهُ.
والرَّقُّ - بالفتح - الجلد الرقيق يكتب فيه٤. وقال الرَّاغِب : الرق ما يكتبُ فيه شبه كاغد٥. انتهى فهو أعم من كونه جلداً أو غيرَهُ. ويقال فيه : رِقٌّ بالكسر. فأما مِلْكُ العبيد فلا يقال إلا رِقٌّ بالكسر٦. وقال الزَّمخشري : والرَّقُّ الصحيفة. وقيل : الجلد الذي يكتب فيه٧. انتهى. وقد غلط بعضهم من يقول : كَتَبْتُ في الرِّقّ بالكسر ؛ وليس بغلط لثبوته به لُغَةً٨.
وقد قرأ أبو السَّمَّال : في رِقٍّ، بالكسر٩.
فإِن قيل : ما الفائدة في قوله تعالى : فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ وعظمة الكتاب بلفظه ومعناه لا بخطِّه ورقه ؟ !.
فالجواب : أن هذا إِشارة إلى الوضع لأن الكتاب المطويَّ لا يعلم ما فيه فقال : في رق منشور أي ليس كالكتب المطويّة أي منشورٌ لكم لا يمنعكم أحدٌ من مُطَالَعتِهِ١٠.
قيل : الحكمة في القسم بهذه الثلاثة أشياء أن هذه الأماكن الثلاثة وهي : الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور كانت لثلاثة أنبياء للخلوة بربهم والخلاص من الخلق وخطابهم مع الله. أما الطور فانتقل إليه موسى - عليه الصلاة والسلام - وخاطب الله تعالى هناك وأما البيت المعمور فانتقل إليه محمد - عليه الصلاة والسلام - وقال لربه :«سَلاَمٌ عَلَيْنَا وعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحينَ، لاَ أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نَفسك». وأما البحر المسجور فانتقل إليه يونسُ - عليه الصلاة والسلام -، ونادى في الظلمات : أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فصارت هذه الأماكن شريفة بهذه الأسباب فأقسم الله تعالى بها.
وأما ذكر الكتاب فلأن الأنبياء كان لهم في هذه ( الأماكن ) ١٠ مع الله تعالى كلام والكلام في الكتاب ( واقترانه١١ بالطور أدل على ذلك ؛ لأن موسى - عليه السلام - كان له مكتوبٌ ينزل عليه وهو بالطُّور ).
فصل
أقسم في بعض السور بجموع كقوله : والذاريات [ الذاريات : ١ ] والمرسلات [ المرسلات : ١ ] والنازعات [ النازعات : ١ ] وفي بعضها بأفراد كقوله :«والطُّورِ» ولم يقل : والأَطوار والبِحار.
قال ابن الخطيب : والحكمة فيه : أن في أكثر الجموع أقسم عليها بالمتحركات والريح الواحدة ليست بثابتة بل هي متبدِّلة بأفرادها مستمرة بأنواعها، والمقصود مِنْهَا لا يحصل إلا بالبَدَل والتَّغَيُّر، فقال :«والذاريات» إشارة إلى النوع المستمر، لا الفرد المعين المستقر، وأما الجبل فهو ثابت غير١٢ متغير عادة فالواحد من الجبال دائمٌ زماناً ودهراً، فأقسم في ذلك بالواحد، وكذلك في قوله : والنجم [ النجم : ١ ]، ولو قال :«والريح» لما علم المقسَمُ به، وفي الطور عُلِمَ١٣.
٢ التبيان ١١٨٣..
٣ نعتا له أي لكتاب أي كائنا في رق..
٤ وهو قوله الجوهري في الصّحاح "رقق". ولكن الفراء في المعاني ٣/٩٠ له رأي آخر سأذكره بعد..
٥ في المفردات: شبه الكاغد قال في اللسان: الكاغد معروف، وهو فارسي معرّب. انظر المفردات: "رقق" ٢٠٠ واللسان "كغد"..
٦ وانظر اللسان "رقق" ١٧٠٧..
٧ الكتاب الذي يكتب فيه الأعمال الكشاف ٤/٢٢..
٨ بدليل قول الزمخشري السابق وقول الفراء في المعاني ٣/٩١: "والرق الصحائف التي تخرج إلى بني آدم"..
٩ بنفس المعنى. انظر البحر ٨/١٤٦. وهي شاذة..
١٠ الرازي ٢٨/٢٤٠..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود