ﮍﮎﮏﮐ

( ١ ) رآه : ضمير الفاعل عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وضمير المفعول عائد إلى جبريل عليه السلام على ما عليه جمهور المفسرين.
ولقد رآه١ نزلة أخرى( ١٣ ) عند سدرة المنتهى٢ ( ١٤ ) عندها جنة المأوى٣ ( ١٥ ) إذ يغشى السدرة ما يغشى( ١٦ ) ما زاغ٤ البصر وما طغى٥ ( ١٧ ) لقد رأى من آيات ربه الكبرى( ١٨ ) [ ١٣-١٨ ].
في الآيات إشارة إلى مشهد آخر شاهده النبي صلى الله عليه وسلم فشاهد فيه ما شاء الله أن يشاهده من آيات الله الكبرى.
ولقد روى الإمام أحمد عن ابن مسعود في صدد تفسير هذه الآيات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( رأيت جبريل وله ستمائة جناح )١ وروى الإمام أحمد عن مسروق أنه سأل عائشة عن آية : ولقد رآه نزلة أخرى النجم [ ١٣ ] ( فقالت : أنا أول هذه الأمة سألت رسول الله عنها فقال : إنما ذاك جبريل لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين. رآه متهبطا إلى الأرض سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض ).
ففي هذه الأحاديث تفسير لمدى هذه الآيات أيضا، مع التنبيه على أنه ليس هناك ما يساعد على توضيح مدى المقصود من سدرة المنتهى وجنة المأوى في سياق ذلك، إلا إذا كان جاء كوصف متمم للمشهد، والله أعلم.
وقد يلحظ فرق في التعبير في مجموعتي الآيات ؛ حيث ورد في الأولى : ما كذب الفؤاد ما رأى النجم [ ١١ ] وفي الثانية : ما زاغ البصر وما طغى النجم [ ١٧ ]. ويتبادر لنا أن مؤدى التعبيرين واحد وهو توكيد صحة المشهدين الذين شاهدهما النبي صلى الله عليه وسلم واللذين فسرتهما الأحاديث بأنهما مشهدا منظر جبريل عليه السلام في الأفق في صورته العظيمة. والله تعالى أعلم.
تعليق على حادث الإسراء والمعراج وما ورد في ذلك من أحاديث
ومع ما ورد في صدد هذه الآيات من الأحاديث التي أوردناها آنفا والتي تفسر مداها فإن المفسرين٢ يذكرون في سياقها أيضا حادث الإسراء والمعراج ويصرفونها إليه ويروون في صدده أحاديث كثيرة متنوعة الرتب. وفيها شيء كثير من التضارب فمنها ما يفيد أن الإسراء والمعراج كانا رؤيا منامية وأن جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبرح مكانه. ومنها ما يفيد أنه كان مشهدا روحانيا، ومنها ما يفيد أنه كان مشهدا حيا وحادثا واقعا بالجسد واليقظة. ومنها ما يفيد أن الإسراء كان بالجسد واليقظة وأن المعراج كان في النوم أو بالروح. هذا أولا. وثانيا : إن معظم الروايات تقرن حادث العروج بحادث الإسراء وتجعلهما في وقت واحد وتروي مشاهدهما في سلسلة واحدة، وإن كان هناك روايات تفيد حدوث كل منهما لحدته.
وقد ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد وصوله في حادث الإسراء إلى المسجد الأقصى عرج به إلى السماء. هذا في حين أن حادث الإسراء قد أشير إليه في سورة الإسراء التي يجيء ترتيبها بعد هذه السورة بمراحل. والإشارة فيها قاصرة على الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كما ترى في نص الآية الأولى من سورة الإسراء وهو : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير١ ومن الروايات ما يجعل حادث الإسراء قاصرا على الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى دون عروج إلى السماء. ومنها ما يجعل الإسراء والعروج أكثر من مرة، وثالثا : إن في الروايات تضاربا في الوقت الذي وقع فيه الحادث. فهناك رواية تذكر أن الإسراء والمعراج معا قد كانا بعد البعثة بخمسة عشر شهرا، وهذا قد يتطابق مع تاريخ نزول سورة النجم، ولكنه لا يتطابق مع تاريخ نزول سورة الإسراء التي يرجح أنها نزلت في أواسط العهد النبوي المكي. وهناك رواية تذكر وقوعهما معا بعد البعثة بخمس سنوات. وهذا يتطابق مع تاريخ نزول سورة الإسراء. ولكنه لا يتطابق مع تاريخ نزول سورة النجم ؛ لأنها نزلت أبكر كثيرا من سورة الإسراء. وهناك روايات تذكر أنهما كانا قبل الهجرة بخمس سنوات وهذا لا يتطابق مع تاريخ نزول أي من السورتين !. بل وهناك رواية غريبة جدا تذكر أنهما وقعا قبل البعثة بسنة واحدة. وهناك رواية موازية في الغرابة لهذه الرواية، وهي أن الإسراء والمعراج وقعا قبل الهجرة بسنة واحدة. أي بعد نزول السورتين بمدة طويلة. ومما يزيد في غرابة هذه الرواية أن بعض الأئمة مثل البغوي وابن حزم يقولان : إنها مما يكاد يتفق فيها الجمهور٣.
وهناك أحاديث كثيرة جدا أوردها المفسرون في سياق حادثي الإسراء والمعراج. منها ما ورد في كتب الصحاح بنصه أو قريب منه ومنها ما لم يرو٤. ومن هذا النوع ما روي من قبل أئمة معروفين من أئمة الحديث بأسناد متواصلة مثل الإمام أحمد والإمام الطبراني والحافظ البزار والإمام ابن جرير والنسائي وابن أبي حاتم. ومنها ما وصف بأنه بسند حسن ومنها ما وصف بالغريب أو المنكر. ومنها ما أورد في سياق الآية الأولى من سورة الإسراء ومنها ما أورد في سياق آيات سورة النجم التي نحن في صددها. وأكثر المفسرين استقصاء واستيعابا لها فيما بدا لنا الإمام ابن كثير حتى لقد استغرقت نحو خمس وثلاثين صفحة من القطع الكبير، وقد أورد جلها في سياق تفسير مطلع سورة الإسراء.
ومع أن بعض هذه الأحاديث قد يفيد أن المعراج كان لحدة ومن مكة رأسا، وأن الإسراء كان كذلك لحدة ومن مكة رأسا، فإن معظمها يفيد أنهما وقعا معا ومرة واحدة ؛ حيث أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماوات حتى انتهى إلى سدرة المنتهى. مع التنبيه على أمر مهم وهو أن ما ورد في كتب الصحاح من هذه الأحاديث لا يقرن بين الإسراء والمعراج فبعضها اقتصر على خبر الإسراء إلى بيت المقدس دون عروج إلى السماء، وبعضها ذكر أن الانطلاق من المسجد الحرام كان إلى السماء دون تعريج على بيت المقدس.
ولقد قلنا قبل : إن هناك فترة طويلة بين نزول سورة النجم التي تساق قصة الإسراء والمعراج في مناسبة آياتها التي نحن في صددها وبين نزول سورة الإسراء التي ذكر فيها الإسراء. وقد يمكن التوفيق بين ذلك بالقول تبعا لما تفيده معظم الأحاديث التي منها الوارد في كتب الصحاح أنهما وقعا في ظرف نزول سورة النجم التي كان نزولها سابقا، وإن ذكر الإسراء في سورة الإسراء إنما جاء للتذكير بواقعته. وهذا إذا تغاضينا عن الاختلافات في سنة حدوث الإسراء والمعراج التي لا تتفق أحيانا مع الظرف المخمن لنزول آية من السورتين والتي تبدو غريبة جدا مثل وقوعهما قبل البعثة بسنة أو قبل الهجرة بسنة. غير أنه يظل هناك نقطة معترضة. وهي أن آية سورة الإسراء الأولى تقتصر في ما تخبر به أو تذكر به على الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. وليس في آيات النجم شيء صريح عن المعراج الذي يظل خبره الصريح مستندا إلى الأحاديث المروية وحسب، وأكثرهم يعتبر جملة ولقد رآه نزلة أخرى النجم [ ١٣ ] من قرائن العروج مع أن الحديث الذي أوردناه قبل عن عائشة يذكر أن المرئي هو جبريل عليه السلام.
وليس في معظم الأحاديث صراحة قطعية بأن الإسراء والمعراج وقعا باليقظة والجسد. وإن كان ذلك قد يستفاد من فحواها. غير أن في بعضها ما يفيد أنه وقع والنبي صلى الله عليه وسلم نائم في المسجد الحرام، وأنه استيقظ بعد أن تمت مشاهدهما. وهناك روايات أخرى بينها تضارب في صدد ذلك. رواية أو حديث عن معاوية أن الحادث كان رؤيا صادقة. ورواية أو حديث عن عائشة أن جسد النبي صلى الله عليه وسلم لم يفارق فراشه. وأن الإسراء إنما كان بروحه. ورواية أو حديث عن أم هانئ عن النبي صلى الله عليه وسلم :( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيت في بيتها ليلة الإسراء، وأنها افتقدته في فراشه فلم تجده وخافت عليه أن يكون قد لحقه أذى من قريش، ثم عاد فأخبرها عن ركوبه البراق ومسراه إلى بيت المقدس ورؤيته لإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ولله جل جلاله ). ورواية أو حديث آخر عن أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم نام عندها بعد صلاة العشاء فلما كان قبل الفجر أهابت به فاستيقظ فصلى الصبح وصلت معه ثم قال لها : يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الأخيرة كما رأيت بهذا الوادي ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم صليت الغداة معكم الآن كما ترين. وقال لها : إنه سيخبر الناس بذلك فأخذت تحذره وتخوفه من التكذيب والأذى. وهناك رواية أو حديث عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيته نفسه وأن جبريل نزل عليه من سقفه وانطلق به.
وفي الأحاديث المروية على مختلف رتبها حتى فيما ورد منها في كتب الصحاح أشياء عجيبة مذهلة. ونكتفي بإيراد النص الكامل لما ورد منها في هذه الكتب. فمن ذلك حديث رواه مسلم والترمذي عن عبد الله في سياق تفسير سورة النجم جاء فيه :( لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى قال انتهى إليها ما يعرج من الأرض وما ينزل من فوق. قال فأعطاه الله عندها ثلاثا لم يعطهن نبيا قبله. فرضت عليه الصلاة خمسا، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لأمته المقحمات ما لم يشركوا بالله شيئا )٥. وحديث رواه البخاري عن عبد الله كذلك قال :( قال الله تعالى لقد رأى من آيات ربه الكبرى. قال رأى رفرفا أخضر قد سد الأفق )٦. وحديث رواه الترمذي في سياق تفسير سورة الإسراء عن أنس قال :( إن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق ليلة أسري به ملجما مسرجا فاستصعب عليه فقال له جبريل : أبمحمد تفعل هذا ؟ فما ركبك أحد أكرم على الله منه قال : فارفض عرقا )٧.
وحديث ثان رواه الترمذي عن بريدة في نفس السياق عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لما انتهينا إلى بيت المقدس قال جبريل بأصبعه، فخرق بها الحجر، وشد به البراق )٨. وحديث ثالث في نفس السياق عن أبي هريرة رواه الشيخان والترمذي قال :( قال النبي صلى الله عليه وسلم حين أسري بي لقيت موسى عليه السلام، فإذا رجل مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة، ولقيت عيسى فإذا ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس. ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه وأنا أشبه ولده به. قال : فأتيت بإنائين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر فقيل لي : خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربته فقيل لي : هديت الفطرة أو أصبت الفطرة. أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك )٩. وحديث رواه البخاري عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان وذكر بين الرجلين، فأتيت بطست من ذهب ملأى حكمة وإيمانا فشق من النحر إلى مراق البطن، ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم ملئ حكمة وإيمانا وأتيت بدابة أبيض دون البغل وفوق الحمار : البراق، فانطلقت مع جبريل حتى أتينا السماء الدنيا قيل من هذا ؟ قال : جبريل، قيل : من معك ؟ قال : محمد، قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم، قيل : مرحبا به ولنعم المجيء جاء، فأتيت آدم فسلمت عليه فقال : مرحبا بك من ابن ونبي. وفي رواية فلما علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى فقال : مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت : من هذا يا جبريل ؟ قال : هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والتي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى. فأتينا السماء الثانية قيل : من هذا ؟ قال جبريل، قيل : من معك ؟ قال : محمد، قيل : أرسل إليه ؟ قال : نعم، قيل : مرحبا به ولنعم المجيء جاء فأتيت على عيسى ويحيى فقالا [ مرحبا بك من أخ ونبي. فأتينا السماء الثالثة


ولقد رآه١ نزلة أخرى( ١٣ ) عند سدرة المنتهى٢ ( ١٤ ) عندها جنة المأوى٣ ( ١٥ ) إذ يغشى السدرة ما يغشى( ١٦ ) ما زاغ٤ البصر وما طغى٥ ( ١٧ ) لقد رأى من آيات ربه الكبرى( ١٨ ) [ ١٣-١٨ ].
في الآيات إشارة إلى مشهد آخر شاهده النبي صلى الله عليه وسلم فشاهد فيه ما شاء الله أن يشاهده من آيات الله الكبرى.
ولقد روى الإمام أحمد عن ابن مسعود في صدد تفسير هذه الآيات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( رأيت جبريل وله ستمائة جناح )١ وروى الإمام أحمد عن مسروق أنه سأل عائشة عن آية : ولقد رآه نزلة أخرى النجم [ ١٣ ] ( فقالت : أنا أول هذه الأمة سألت رسول الله عنها فقال : إنما ذاك جبريل لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين. رآه متهبطا إلى الأرض سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض ).
ففي هذه الأحاديث تفسير لمدى هذه الآيات أيضا، مع التنبيه على أنه ليس هناك ما يساعد على توضيح مدى المقصود من سدرة المنتهى وجنة المأوى في سياق ذلك، إلا إذا كان جاء كوصف متمم للمشهد، والله أعلم.
وقد يلحظ فرق في التعبير في مجموعتي الآيات ؛ حيث ورد في الأولى : ما كذب الفؤاد ما رأى النجم [ ١١ ] وفي الثانية : ما زاغ البصر وما طغى النجم [ ١٧ ]. ويتبادر لنا أن مؤدى التعبيرين واحد وهو توكيد صحة المشهدين الذين شاهدهما النبي صلى الله عليه وسلم واللذين فسرتهما الأحاديث بأنهما مشهدا منظر جبريل عليه السلام في الأفق في صورته العظيمة. والله تعالى أعلم.
تعليق على حادث الإسراء والمعراج وما ورد في ذلك من أحاديث
ومع ما ورد في صدد هذه الآيات من الأحاديث التي أوردناها آنفا والتي تفسر مداها فإن المفسرين٢ يذكرون في سياقها أيضا حادث الإسراء والمعراج ويصرفونها إليه ويروون في صدده أحاديث كثيرة متنوعة الرتب. وفيها شيء كثير من التضارب فمنها ما يفيد أن الإسراء والمعراج كانا رؤيا منامية وأن جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبرح مكانه. ومنها ما يفيد أنه كان مشهدا روحانيا، ومنها ما يفيد أنه كان مشهدا حيا وحادثا واقعا بالجسد واليقظة. ومنها ما يفيد أن الإسراء كان بالجسد واليقظة وأن المعراج كان في النوم أو بالروح. هذا أولا. وثانيا : إن معظم الروايات تقرن حادث العروج بحادث الإسراء وتجعلهما في وقت واحد وتروي مشاهدهما في سلسلة واحدة، وإن كان هناك روايات تفيد حدوث كل منهما لحدته.
وقد ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد وصوله في حادث الإسراء إلى المسجد الأقصى عرج به إلى السماء. هذا في حين أن حادث الإسراء قد أشير إليه في سورة الإسراء التي يجيء ترتيبها بعد هذه السورة بمراحل. والإشارة فيها قاصرة على الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كما ترى في نص الآية الأولى من سورة الإسراء وهو : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير١ ومن الروايات ما يجعل حادث الإسراء قاصرا على الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى دون عروج إلى السماء. ومنها ما يجعل الإسراء والعروج أكثر من مرة، وثالثا : إن في الروايات تضاربا في الوقت الذي وقع فيه الحادث. فهناك رواية تذكر أن الإسراء والمعراج معا قد كانا بعد البعثة بخمسة عشر شهرا، وهذا قد يتطابق مع تاريخ نزول سورة النجم، ولكنه لا يتطابق مع تاريخ نزول سورة الإسراء التي يرجح أنها نزلت في أواسط العهد النبوي المكي. وهناك رواية تذكر وقوعهما معا بعد البعثة بخمس سنوات. وهذا يتطابق مع تاريخ نزول سورة الإسراء. ولكنه لا يتطابق مع تاريخ نزول سورة النجم ؛ لأنها نزلت أبكر كثيرا من سورة الإسراء. وهناك روايات تذكر أنهما كانا قبل الهجرة بخمس سنوات وهذا لا يتطابق مع تاريخ نزول أي من السورتين !. بل وهناك رواية غريبة جدا تذكر أنهما وقعا قبل البعثة بسنة واحدة. وهناك رواية موازية في الغرابة لهذه الرواية، وهي أن الإسراء والمعراج وقعا قبل الهجرة بسنة واحدة. أي بعد نزول السورتين بمدة طويلة. ومما يزيد في غرابة هذه الرواية أن بعض الأئمة مثل البغوي وابن حزم يقولان : إنها مما يكاد يتفق فيها الجمهور٣.
وهناك أحاديث كثيرة جدا أوردها المفسرون في سياق حادثي الإسراء والمعراج. منها ما ورد في كتب الصحاح بنصه أو قريب منه ومنها ما لم يرو٤. ومن هذا النوع ما روي من قبل أئمة معروفين من أئمة الحديث بأسناد متواصلة مثل الإمام أحمد والإمام الطبراني والحافظ البزار والإمام ابن جرير والنسائي وابن أبي حاتم. ومنها ما وصف بأنه بسند حسن ومنها ما وصف بالغريب أو المنكر. ومنها ما أورد في سياق الآية الأولى من سورة الإسراء ومنها ما أورد في سياق آيات سورة النجم التي نحن في صددها. وأكثر المفسرين استقصاء واستيعابا لها فيما بدا لنا الإمام ابن كثير حتى لقد استغرقت نحو خمس وثلاثين صفحة من القطع الكبير، وقد أورد جلها في سياق تفسير مطلع سورة الإسراء.
ومع أن بعض هذه الأحاديث قد يفيد أن المعراج كان لحدة ومن مكة رأسا، وأن الإسراء كان كذلك لحدة ومن مكة رأسا، فإن معظمها يفيد أنهما وقعا معا ومرة واحدة ؛ حيث أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماوات حتى انتهى إلى سدرة المنتهى. مع التنبيه على أمر مهم وهو أن ما ورد في كتب الصحاح من هذه الأحاديث لا يقرن بين الإسراء والمعراج فبعضها اقتصر على خبر الإسراء إلى بيت المقدس دون عروج إلى السماء، وبعضها ذكر أن الانطلاق من المسجد الحرام كان إلى السماء دون تعريج على بيت المقدس.
ولقد قلنا قبل : إن هناك فترة طويلة بين نزول سورة النجم التي تساق قصة الإسراء والمعراج في مناسبة آياتها التي نحن في صددها وبين نزول سورة الإسراء التي ذكر فيها الإسراء. وقد يمكن التوفيق بين ذلك بالقول تبعا لما تفيده معظم الأحاديث التي منها الوارد في كتب الصحاح أنهما وقعا في ظرف نزول سورة النجم التي كان نزولها سابقا، وإن ذكر الإسراء في سورة الإسراء إنما جاء للتذكير بواقعته. وهذا إذا تغاضينا عن الاختلافات في سنة حدوث الإسراء والمعراج التي لا تتفق أحيانا مع الظرف المخمن لنزول آية من السورتين والتي تبدو غريبة جدا مثل وقوعهما قبل البعثة بسنة أو قبل الهجرة بسنة. غير أنه يظل هناك نقطة معترضة. وهي أن آية سورة الإسراء الأولى تقتصر في ما تخبر به أو تذكر به على الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. وليس في آيات النجم شيء صريح عن المعراج الذي يظل خبره الصريح مستندا إلى الأحاديث المروية وحسب، وأكثرهم يعتبر جملة ولقد رآه نزلة أخرى النجم [ ١٣ ] من قرائن العروج مع أن الحديث الذي أوردناه قبل عن عائشة يذكر أن المرئي هو جبريل عليه السلام.
وليس في معظم الأحاديث صراحة قطعية بأن الإسراء والمعراج وقعا باليقظة والجسد. وإن كان ذلك قد يستفاد من فحواها. غير أن في بعضها ما يفيد أنه وقع والنبي صلى الله عليه وسلم نائم في المسجد الحرام، وأنه استيقظ بعد أن تمت مشاهدهما. وهناك روايات أخرى بينها تضارب في صدد ذلك. رواية أو حديث عن معاوية أن الحادث كان رؤيا صادقة. ورواية أو حديث عن عائشة أن جسد النبي صلى الله عليه وسلم لم يفارق فراشه. وأن الإسراء إنما كان بروحه. ورواية أو حديث عن أم هانئ عن النبي صلى الله عليه وسلم :( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيت في بيتها ليلة الإسراء، وأنها افتقدته في فراشه فلم تجده وخافت عليه أن يكون قد لحقه أذى من قريش، ثم عاد فأخبرها عن ركوبه البراق ومسراه إلى بيت المقدس ورؤيته لإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ولله جل جلاله ). ورواية أو حديث آخر عن أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم نام عندها بعد صلاة العشاء فلما كان قبل الفجر أهابت به فاستيقظ فصلى الصبح وصلت معه ثم قال لها : يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الأخيرة كما رأيت بهذا الوادي ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم صليت الغداة معكم الآن كما ترين. وقال لها : إنه سيخبر الناس بذلك فأخذت تحذره وتخوفه من التكذيب والأذى. وهناك رواية أو حديث عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيته نفسه وأن جبريل نزل عليه من سقفه وانطلق به.
وفي الأحاديث المروية على مختلف رتبها حتى فيما ورد منها في كتب الصحاح أشياء عجيبة مذهلة. ونكتفي بإيراد النص الكامل لما ورد منها في هذه الكتب. فمن ذلك حديث رواه مسلم والترمذي عن عبد الله في سياق تفسير سورة النجم جاء فيه :( لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى قال انتهى إليها ما يعرج من الأرض وما ينزل من فوق. قال فأعطاه الله عندها ثلاثا لم يعطهن نبيا قبله. فرضت عليه الصلاة خمسا، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لأمته المقحمات ما لم يشركوا بالله شيئا )٥. وحديث رواه البخاري عن عبد الله كذلك قال :( قال الله تعالى لقد رأى من آيات ربه الكبرى. قال رأى رفرفا أخضر قد سد الأفق )٦. وحديث رواه الترمذي في سياق تفسير سورة الإسراء عن أنس قال :( إن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق ليلة أسري به ملجما مسرجا فاستصعب عليه فقال له جبريل : أبمحمد تفعل هذا ؟ فما ركبك أحد أكرم على الله منه قال : فارفض عرقا )٧.
وحديث ثان رواه الترمذي عن بريدة في نفس السياق عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لما انتهينا إلى بيت المقدس قال جبريل بأصبعه، فخرق بها الحجر، وشد به البراق )٨. وحديث ثالث في نفس السياق عن أبي هريرة رواه الشيخان والترمذي قال :( قال النبي صلى الله عليه وسلم حين أسري بي لقيت موسى عليه السلام، فإذا رجل مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة، ولقيت عيسى فإذا ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس. ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه وأنا أشبه ولده به. قال : فأتيت بإنائين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر فقيل لي : خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربته فقيل لي : هديت الفطرة أو أصبت الفطرة. أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك )٩. وحديث رواه البخاري عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان وذكر بين الرجلين، فأتيت بطست من ذهب ملأى حكمة وإيمانا فشق من النحر إلى مراق البطن، ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم ملئ حكمة وإيمانا وأتيت بدابة أبيض دون البغل وفوق الحمار : البراق، فانطلقت مع جبريل حتى أتينا السماء الدنيا قيل من هذا ؟ قال : جبريل، قيل : من معك ؟ قال : محمد، قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم، قيل : مرحبا به ولنعم المجيء جاء، فأتيت آدم فسلمت عليه فقال : مرحبا بك من ابن ونبي. وفي رواية فلما علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى فقال : مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت : من هذا يا جبريل ؟ قال : هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والتي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى. فأتينا السماء الثانية قيل : من هذا ؟ قال جبريل، قيل : من معك ؟ قال : محمد، قيل : أرسل إليه ؟ قال : نعم، قيل : مرحبا به ولنعم المجيء جاء فأتيت على عيسى ويحيى فقالا [ مرحبا بك من أخ ونبي. فأتينا السماء الثالثة

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير